منذ أن تفجرت أزمة الحوثي في يونيو 2004، واليمن يكتوي بنيران هذه الفتنة كوطن، ويدفع ثمنها غاليا كشعب، وكأمة. ومع كل يوم يزداد الحوثيون تمرداً وتزداد سمعة اليمن تدهورا، واقتصاده خسرانا وسياحته ضياعا واستقراره وأمنه انهيارا.
بالأمس كشف رئيس جهاز الأمن القومي علي محمد الآنسي عن أن حرب الحوثيين في صعدة أدت حتى الآن إلى استشهاد 727 وجرح 5296، بالإضافة إلى خسائر في الممتلكات العامة والخاصة قدرها بمبلغ ستمئة مليون دولار خلال مراحلها الأولى والثانية والثالثة.
إذا نحن أمام معضلة حقيقية لم يعد بالإمكان تجاهلها أو تهميشها أو التغطية عليها، وحسناً فعلت القيادة السياسية بإطلاعها الأحزاب والقوى السياسية على تطورات هذا الملف المقلق. رغم اعترض تلك القوى على طبيعة وحجم تلك المعلومات التي قدمت.
بعد مرور هذه السنوات على أزمة الحوثي يتضح أنها أزمة معقدة إلى حد بعيد ومتشابكة بشكل غير منطقي، غير أنها تفضي إلى مجموعة من الدروس والعبر التي ينبغي التوقف أمامها بصدق وإخلاص وشفافية وتجرد، وبدون انفعال أو خضوع للفعل وردة الفعل. ولعل ابرز تلك الدروس ما يلي:
أولاً: إن تغليب المصلحة الحزبية الضيقة على المصلحة الوطنية يفضي دائما إلى نتائج كارثية، يدفع ثمنها الوطن من أرواح أبنائه، ويخسر فيها هدوءه واستقراره وأمنه وسلامته، وقوته ورفاهيته.
ثانيا: أن اللعب بورقة الطائفية أو المذهبية في بلد يقتات دينا يفضي دائما إلى إشعال نار فتنة، يصعب إخمادها فتحرق الأخضر واليابس، ويدفع ثمنها غاليا أولئك الذين يشعلونها قبل أولئك الذين كانوا هدفا لإحراقهم بها.
ثالثا: أن لكل جواد كبوة والحوثية هي كبوة القيادة السياسية اليمنية الأكثر وضوحا، فقد ظلت هذه القيادة تدير وباقتدار شديد وحنكة متناهية لعبة تفريخ الأحزاب والمشايخ والأعيان والرموز الاجتماعية والقوى التجارية وتضرب هذا بذاك وكانت محاولة التفريخ الطائفي هي كبوتها التي في تقديري أنها الآن أشد ندامة عليها.. لكن هل يفيد الندم ؟!
رابعاً: أن أسوأ ما يمكن أن يبتلى به أي شعب هم قادة وأحزاب سياسية وقوى مجتمعية تجيد اللعب بورقة «المكايدات السياسية»، وكل منهم في سبيل مكايدة سياسية «وضيعة» مستعد للذهاب بعيدا دون اعتبار لوطن أو مصلحة.
خامساً: أن غياب الشفافية والتعامل باستخفاف مع القضايا التي يتداخل فيها السياسي بالديني والوطني بالعرقي، يؤدي دائما إلى نتائج كارثية ويحولها من أزمات يسهل التحكم بها وتوجيهها إلى أزمات عصية على الحل وفك الرموز والطلاسم.
سادساً: إن محاولات القفز على أزمة كهذه وتدويلها أو أقلمتها واتهام أطراف إقليمية أو دول مجاورة في تغذيتها أمر لا يخدم الوطن ولا يعفى الحاكم من مسؤولياته تجاهها مهما كانت دلائل أو مؤشرات تورط تلك الأطراف في تغذيتها.
سابعاً: إن الوساطات والوفود التي لا تملك قرارا ولا صلاحية ولا تحمل رؤية أو مخرجا حقيقيا، لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا تؤدي إلا إلى مزيد من التعنت ومزيد من الدماء ومزيد من الخسران وبالتالي فانه لابد من التوقف عن مثل هذا النوع من الوساطات، ولعله من المفيد هنا أن أشير إلى مقولة رائعة للرئيس الباكستاني برويز مشرف فقد سئل في زيارته الأخيرة لأبوظبي عما إذا كان بإمكانه التوسط بين كل من إيران وسوريا من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى فقال: الوساطة بحاجة إلى صوت قوي ومؤثر كي تنجح وأعتقد أن صوتي ليس قويا أو مؤثرا بما فيها الكفاية لأتوسط.
ثامناً: انه ما لم يتم استئصال هكذا قضايا من جذورها ومعالجة الأسباب التي أدت إلى ظهورها فإنها تتحول كما قال الدكتور عبد الكريم الأرياني المستشار السياسي لرئيس الجمهورية إلى (ورم خبيث.. لا ينفع معه إلا الاستئصال الفوري ). واستئصال الأورام والقول أيضا للأرياني لا يكون إلا بالكي.