المحاولات والتحركات الأخيرة يبدو أنها عجزت عن فتح ولو شقّ صغير في جدار الأزمة اللبنانية. ممثل الأمين العام للجامعة العربية عاد إلى القاهرة بعد جولة اتصالات مكثفة في بيروت؛ من غير أن يلمس ما يؤشر إلى حلحلة. عدم التزحزح عن المواقف، لا يزال السمّة السائدة للمشهد. وبالتالي كان أن وضع ذلك عودة عمرو موسى إلى بيروت في حكم المعلقة ـ حتى الآن ـ ؛ إن لم يكن المهددة. كان من المتوقع أن يعود يوم أمس.
المراوحة فرضت التأجيل. الأمر الذي شكّل نكسة للمساعي الجارية؛ والتي كان قد ظهر في الآونة الأخيرة ما يعزز احتمالات نجاحها. وبالتحديد المبادرة التي كان الأمين العام قد طرحها، خلال زيارته الأخيرة، قبل أسابيع إلى بيروت.
وكانت كافة الأطراف قد أبدت ترحيبها بعودته المرتقبة مما أشاع الانطباع بوجود استعداد لتعويم مبادرته وفتح الطرق المسدودة أمامها. لكن الأجواء تلبّدت من جديد، بعد عودة لغة التشدد والتراشق، إلى الساحة.
المحكمة ذات الطابع الدولي، رجعت لتكون عقدة العِقد. توقيع الأمم المتحدة على الاتفاق مع لبنان حولها، أعطى شحنة إضافية من التأزيم؛ مع أنه خطوة روتينية إجرائية. وإسرائيل المتربصة، قفزت إلى المسرح بتهديدات مبطنة؛ تحت زعم تسرب أسلحة إلى الجنوب اللبناني. وهي البارعة في صبّ الزيت على النار وإرباك الوضع، في اللحظة التي تناسبها. وفي ضوء كل ذلك باتت العملية تنذر بالعودة إلى المربع الأول؛ مع ما ينطوي عليه ذلك من تعقيدات إضافية ومخاطر، محفوفة باحتمالات التصعيد والتعنيف.
التداول بالمبادرة العربية، مع ظروف وتحركات أخرى، حمل التهدئة إلى ساحة الأزمة؛ منذ مواجهات ما سمي بالخميس الأسود؛ قبل أسبوعين. مناسبة الذكرى الثانية لاغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، في 14 الجاري؛ يبدو أنها كفيلة بتمديد فترة هذه التهدئة ولغاية مرورها. الاعتقاد الشائع أن ثمة توافقاً ضمنياً على عبور هذا الاستحقاق بخير. وغالب الظن أن الأمر سيكون كذلك، وفي ذلك فرصة إضافية؛ لابدّ من توظيفها بالصورة الكفيلة بعدم ترك الأمور تنزلق نحو المجهول، بعد 14 فبراير الجاري.
المراوحة في أزمة كالتي يمرّ بها لبنان، مؤذية. فيها يكمن خطر التفاقم والتراكم السلبي. لكنها خير من الانتقال إلى التصعيد؛ الذي تختزن الأزمة الكثير من عوامله. لاسيما وأن هناك علامات وتطمينات «بوجوب منع تفجير لبنان» ؛ وأن الحلّ لابدّ وان يكون «سياسياً» للأزمة. يعزز احتمالات التبريد أن الاتصالات والمباحثات الإقليمية، حول الوضع اللبناني، لا تزال متواصلة وصدر عنها إشارات مشجعة؛ ولو أنها من غير المؤكد أن تبلغ نهاياتها الواعدة.
وفيما تبدو الساحة في الانتظار، على الأقل إلى ما بعد 14/ 2، يصبح لزاماً عدم تركها فريسة للفراغ. مرور الموعد من دون أن يكون في التداول شيء، يضع لبنان من جديد على حافة الهاوية التي كان قد وصلها قبل أسبوعين.
ومن هنا أهمية التمسك بالمبادرة العربية والحيلولة دون انهيارها أو إعلان فشلها. لابدّ من ابتداع صيغة تكفل استمراريتها. وهذا أضعف الإيمان؛ ولغاية حصول ما يسمح بترجمتها.