يعجز المراقب للوضع العربي الحالي من التنبؤ بحلول عملية وقطعية إلى المشكلات التي تعاني منها دول المنطقة، ولاسيما مع تشابك الأزمات السياسية الحالية وانتقالها من الفرقاء السياسيين إلى شرائح المجتمع الأخرى، وما تخلفه من أزمات اقتصادية واجتماعية تجعل المشهد أكثر قتامة من أي وقت مضى، بالإضافة إلى تحول أبناء البلد الواحد والمنقسمين إلى انتماءات سياسية مختلفة لأعداء يقتتلون فيما بينهم، في الوقت الذي يرى كل طرف من المتشاكسين وعبر تصريحاته الإعلامية أن هدفه الوطن وحمايته وعدم التعرض إلى الدم العربي مهما كانت الأسباب، وأن الحق ومصلحة المجتمع مع ما يذهب إليه من أفكار مع امتلاكه للرغبة بالحوار ولكن الطرف الآخر المختلف سياسياً وعقائدياً هو الرافض لهذا الحوار ولهذه الوحدة.

الحديث طبعاً عن ما يجري حالياً من أحداث دموية عربية عربية في لبنان وفلسطين والعراق تناقض تلك التصريحات الإعلامية وتترك المواطن العربي في حيرة حقيقية من أمره بعد أن خرجت هذه المشكلات من حيز طاولة المفاوضات والمجال السياسي الضيق لتحدث انقسامات بين مؤيدة ومعارضة لجهة أو أخرى في الشارع العربي إثر تخطي هذه الانقسامات وبفعل الانتشار الإعلامي الكبير لها حدود الدول المأزومة لتنتشر على نطاق واسع مشكلة خطورة في ذهنية النظرة إلى القضايا العربية، التي بدأت تبتعد شيئاً فشيئاً عن الصراع الحقيقي مع العدو الإسرائيلي أو الأميركي لتركز على صراع فئات السلطة الحاكمة والعاجزة عن تسيير الأمور داخل تلك البلدان بما يوفر الأمن والاستقرار.

ومن جديد دخلت هذه البلدان الآنفة الذكر بمحظور الاختلاف العقائدي والطائفي واللجوء إلى الأجنبي ودعوته للتدخل بدقائق المجريات الداخلية، ليظهر هذان المحظوران ومن خلال تعقد مجريات الأحداث أن كلاً منهما سبب ونتيجة للآخر، وما يربك الحلول المنطقية والعقلانية لهذه الأزمات هو استسهال البعض لدعوة الأجنبي المختلف كلياً عن المنطقة وتاريخها والذي يعمل بما تمليه عليه مصلحته ليس إلا، ليلعب دور الحكم في قضية هم أنفسهم يعرفون مسبقاً أنه سيميل برأيه وفق ما يتفق مع سياسته الخارجية إلى فئة على حساب فئة أخرى وليخلق بالتالي عقبات جديدة تدخل المنطقة في تأزمات طائفية وسياسية مختلفة.

إن ما حصل في لبنان البلد الذي عانى وعلى مدى أكثر من قرن من خلافات طائفية قضى فيها عشرات الآلاف من اللبنانيين كضحايا لحروب أهلية بلغت ذروتها في الحرب الأخيرة والتي امتدت بين عامي 1975 و1990، أعاد للأذهان العربية ومن خلال مشاهد الخلافات الشعبية التي راح ضحيتها بعض الشباب اللبناني بين قتيل وجريح، تلك الأحداث المأساوية التي أدمت ذاكرة الشارع العربي والتي ظن للحظة أنها ذهبت لغير عودة خلال سنوات الهدوء النسبي السابقة التي عمت هذا البلد.

إن ما حصل يدعو إلى دق ناقوس الخطر والدعوة إلى إيجاد حلول عملية سريعة تتبنى الحل الوطني والبعد عن المقترحات الأجنبية، قبل أن تتوسع دائرة الخلافات والانقسامات داخل المجتمع اللبناني ويصعب معها السيطرة على مجريات الأحداث في الشارع، مع الأخذ بعين الاعتبار أن المشكلات السياسية اللبنانية خلفت أزمات اقتصادية كبيرة لم تشكل لها مساعدات (باريس3) الحلول الوردية لأنها قُدمت كقروض وودائع ونسب منح قليلة جداً لا تتجاوز المليار دولار من أصل ما يزيد على سبعة مليارات دولار أميركي، أي أن الأمر برمته يحتاج إلى وقفة متأنية لتحديد الطرق الأنجع للخروج من مجمل المشكلات اللبنانية الراهنة.

ما حدث في لبنان يتكرر في العراق بالصورة نفسها ولكن بتفاصيل مختلفة، وكذلك في فلسطين التي لم تشهد اختلافاً مذهبياً طائفياً إلا أن الاختلاف تعلق بالطريقة التي يرغب فيها كل طرف بإدارة شؤون البلاد وفق ما يتناسب مع خلفيته الفكرية، لتأتي النتيجة واحدة وهي الافتراق والاقتتال الدموي والبعد عن التوصل إلى حل في البلد الذي يُطلب منه رغم اختلاف انتماءاته السياسية أن يكون كلاً واحداً في مواجهة العدو الأساسي الذي لا شك فيه ولا في نواياه على الإطلاق.

وفي النهاية فإنه مهما تشعبت القضايا العربية فالحل لابد أن يأتي عربياً بوضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، وبذل المزيد من الاتفاق بين الفرقاء للوصول إلى حل يرضي الجميع بعد التنازل عن بعض المصالح الشخصية لصالح الشعوب، التي ترغب في الانتهاء من هذه الأزمات لأنها الخاسر الأول والأخير والأكبر على كل الصعد.

Omarb_4@hotmail.com