ما الذي حصل لجاك شيراك الأسبوع الماضي؟ هل فقد أعصابه في لحظة انفعال وهو يتحدث أمام كبريات الصحف الغربية كالنوفيل أوبزرفاتور والنيويورك تايمز والهيرالد تريبيون؟ كل شيء جائز وان كان المعروف عن شيراك انه رجل دولة شديد المراس ولا يلقي الكلام على عواهنه. فقد تجاوز مرحلة المراهقة السياسية منذ زمن طويل بعد ان مارس السلطة طويلاً وأصبح أحد كبار رؤساء العالم. ولكن في بداية حياته السياسية كان معروفاً عنه سرعة الاندفاع وعدم السيطرة على أعصابه بالشكل الكافي إلى درجة انه كان يخيف أصدقاءه أو الجهة المحسوب عليها بعنترياته وجرأته على الاقتحام.
ولكن أليست هذه الجرأة هي التي مكنته من سحق كل خصومه السياسيين يميناً ويساراً حتى وصل إلى قمة السلطة الفرنسية وتربع عليها؟ ولذلك يشبهه بعضهم بنابليون بونابرت.. فالرجل كائن سياسي بكل ما للكلمة من معنى وان كانت تنقصه عبقرية نابليون أو عظمة ديغول الذي يحب ان يتشبه به، ولكن هيهات.
في الواقع ان شمس شيراك ابتدأت تميل إلى الغروب ان لم يكن الأفول. فبعد ثلاثة أشهر فقط سوف يضطر إلى مغادرة قصر الاليزيه والحسرة في قلبه. فهل يستطيع ان يعيش بدون سلطة؟ هذا الرجل الذي كان في مركز السياسة الفرنسية لمدة أربعين سنة متواصلة ألن يفقد توازنه إذ يجد نفسه فجأة خارج كل سلطة؟ من يستطيع ان يتصور شيراك كشخص عادي يعيش بشكل هامشي وكأنه ملك مخلوع أو رئيس في المنفى؟ لقد استمعت بالأمس إلى أحد حكماء فرنسا وهو يتحدث عنه على شاشة التلفزيون بكل صراحة وقسوة وكان منافسه يوماً ما على رئاسة الجمهورية: انه رئيس الوزراء السابق ريمون بار.
وهو رجل يحظى بالاحترام هنا. يقول بما معناه: جاك شيراك ليس له أي مبدأ إلا المنفعة الشخصية والهوس بالسلطة.ثم أردف بار قائلاً ومحذراً: شيراك لن يترك السلطة عن طيبة خاطر وإنما ينبغي انتزاعها منه انتزاعاً. ولذا ينبغي ان يظهر في الساحة الفرنسية شخص من نوعه أو في حجم شراسته وألمعيته. ولسوء حظه فان هذا الشخص ظهر مؤخراً: انه نيقولاي ساركوزي عدوه اللدود ووزير داخليته في ان معاً.
والسؤال المطروح الآن هو التالي: هل سيرشح الرئيس نفسه مرة أخرى لرئاسة الجمهورية؟ حتى الآن لا يزال يلعب على وتر التشويق أو التهديد المبطن عن طريق القول وهو يبتسم ابتسامة ماكرة تشبه الغمز أو اللمز: لم أحسم أمري بعد، سوف تعرفون قراري في الوقت المناسب. وهذا الكلام يشبه السيف المسلط على رقبة ساركوزي ويكاد يحطم أعصابه.
ولذا فان هذا الأخير استبق الأمور وجمع حوله كل الحزب الديغولي واليمين الفرنسي وأغلق النوافذ والأبواب على شيراك لكيلا يبقى له أي مجال للترشيح. وبالتالي فلم تعد أمام الرئيس العتيد إلا احتمالية واحدة لترشيح نفسه لمرة ثالثة وأخيرة: هي ان تندلع أزمة عالمية كبرى تحتاج إلى شخصية في حجمه وتجربته لمواجهتها. عندئذ، وعندئذ فقط، يمكن للشعب الفرنسي أو بالأحرى لليمين الفرنسي ان يقتنع بوجاهة ترشيحه ويطلب من ساركوزي الانسحاب منتظراً دوره في المرة القادمة.. وهي احتمالية ضعيفة جداً في الواقع وشبه مستحيلة. ولكن من يعلم؟ ماذا لو اندلعت حرب كبرى بين إيران وأميركا؟ ماذا لو اشتعل لبنان؟ هل يتوقع ذلك شيراك؟ هل يتمناه؟
ضمن هذا السياق جاءت مقابلة الاليزيه الشهيرة مع وسائل الإعلام الكبرى المشار إليها آنفاً. وهي المقابلة التي أقضت مضجع شيراك لليلة كاملة بعد ان أدلى بها وتورط فيها بعبارات حامية جداً وغير لائقة. ولذا فما ان استيقظ من النوم صبيحة اليوم التالي حتى أمر أجهزة قصر الاليزيه باستدعاء الصحافيين إياهم فوراً من أجل تصحيح كلامه المتهور السابق. يحصل ذلك كما لو ان كلام الليل يمحوه النهار.. لكن ما هي هذه الكلمات المتهورة التي تفوه بها شيراك واستدعت كل هذه العجلة في التصحيح والمراجعة؟ ينبغي ان نتوقف عندها قليلاً لأنها تخص المنطقة العربية بالدرجة الأولى وبالتالي فلا يمكن ان نمر عليها مرور الكرام. قال الرئيس الفرنسي بما معناه: ليس من الخطر الشديد ان تمتلك إيران قنبلة ذرية الآن وربما قنبلة ثانية في مرحلة لاحقة.
وإنما الشيء الخطير فعلاً هو انتشار السلاح الذري في كل دول المنطقة. فهناك دول غنية في الشرق الأوسط مثل السعودية وقد تحتج قائلة: لماذا يحق لإيران ان تمتلك القنبلة ولا يحق لي انا؟ وعندئذ قد تفحم الغرب فلا يجد جواباً. ثم قد تلجأ السعودية إلى مساعدة دول عربية أخرى كمصر على امتلاك السلاح الذري أيضاً لمواجهة إيران. وهكذا تصبح المنطقة موبوءة بالقنابل الذرية. فإذا كنا عاجزين عن تهدئة أوضاعها بدون قنابل نووية فما بالك بها بعد ان تمتلئ بالقنابل؟ ان مصير العالم كله سوف يصبح عندئذ على كف عفريت.
هذا هو مضمون كلام شيراك. ولكنه أضاف عبارات أخرى أشد خطورة بكثير. فقد لمح لأول مرة إلى احتمالية مسح طهران عن وجه الأرض.. يقول بالحرف الواحد: على من سترمي إيران قنبلتها الذرية إذا ما وقع المحظور لا سمح الله وامتلكتها؟ على إسرائيل؟ ينبغي ان تعلموا ان هذه القنبلة ما ان تترك الأرض الإيرانية وترتفع في الجو مسافة مئتي متر حتى تكون طهران قد دمرت عن بكرة أبيها! هذا الكلام بصيغته الفاقعة خطير جداً إذ يصدر عن رئيس دولة كبرى. حتى بوش المشهور بقوته لم يتورط فيه.
فلماذا فعل الرئيس الفرنسي ذلك يا ترى؟ يقال ان مساعديه الذين حضروا المقابلة عضوا على أسنانهم فور سماعهم لهذه الكلمات ونظروا إلى الصحافيين نظرات عدوانية رادعة لكيلا يسجلوها باعتبار إنها فلتت من فم الرئيس بشكل غير مقصود وليست للنشر أبداً. ولكن الصحافيين انقضوا عليها بعد ان رأوا فيها غنيمة لا تقدر بثمن. وهذا أمر طبيعي فالصحافي يبحث أولاً عن الخبر الصاعق الذي يزلزل نشرات الأخبار العالمية وقد لا يهمه أبداً حجم الأضرار الدبلوماسية أو السياسية الناتجة عن ذلك. كل ما يهمه هو السبق الصحافي ولا شيء آخر.
والأنكى من ذلك هو ان شيراك لم يتراجع صبيحة اليوم التالي عن مضمون كلامه وإنما فقط عن صياغته اللغوية العنيفة. فلم يعد يتحدث عن تدمير العاصمة الإيرانية أو مسحها عن الخارطة وإنما اكتفى بالقول ان الردع النووي ضد إيران سوف يكون هائلاً وبنفس الحجم. وبالتالي فالمعنى واحد في نهاية المطاف. الشيء الوحيد الذي تراجع عنه فعلاً هو القبول ان تصبح إيران دولة نووية. فهذه احتمالية لم تعد مطروحة بالنسبة له. وهكذا عاد إلى حظيرة الموقف الغربي الراسخ وطمأن واشنطن بعد ان زرع البلبلة لديها لمدة أربع وعشرين ساعة فقط.
الشيء الملفت للانتباه في هذه القصة هو ان الوعي الباطني لشيراك تغلب على وعيه الظاهري في لحظة انفعال غير مسيطر عليها. وهكذا مارس الكتابة الاتوماتيكية على طريقة السورياليين إذا جاز التعبير. وهي الكتابة العفوية التي لا تفرض أي رقابة على ذاتها بل تقول الحقيقة والصراحة في لحظة ما عندما تفلت الأمور من عقالها.
لكن لماذا فلتت منه هذه العبارة التي فاجأت الجميع هنا؟ وهل فلتت حقاً أم انها مقصودة؟ تفسيري الشخصي للأمور هو على النحو التالي: شيراك يتحدث أمام وسائل إعلام غربية كبرى يسيطر عليها اليهود كلياً أو جزئياً. وبما ان الرئيس الإيراني أحمدي نجاد جرح قادة يهود العالم في الصميم وليس فقط قادة إسرائيل عندما تحدث عن محو إسرائيل عن الخارطة فان الرئيس الفرنسي أراد ان يرد عليه.
لقد أراد شيراك طمأنة اليهود عن طريق توجيه رسالة واضحة إلى كل العالم العربي الإسلامي وفحواها: ان إسرائيل خط أحمر بالنسبة للغرب ولا يمكن ان يسمح بتدميرها. ومن تسول له نفسه ذلك سوف يدمر قبل ان يصل إلى مبتغاه. فبعد 11 سبتمبر أصبحت مساوئ إسرائيل محاسن في نظر الغرب.. ولن يستطيع أحد مهما بالغ ان يقدر حجم الفوائد التي جنتها الدولة العبرية من 11 سبتمبر. هذا شيء متروك للمؤرخين مستقبلاً. لكن هناك سؤال آخر يطرح نفسه: إذا كان الوعي الباطني لشيراك يقبل بالتعايش مع قنبلة نووية إيرانية فلماذا يرفض بشكل قاطع أي قنبلة نووية للعرب؟
ألا يعني ذلك ان العدو اللدود لإسرائيل هو العرب وليس إيران؟ ألا يعني ذلك ان الغرب قد يقبل بحصول كل دول العالم على القنبلة الذرية ما عدا العرب؟ ولهذا السبب يعتقد بعض الخبراء هنا في باريس ان الغرب يسعى لتحجيم العرب عن طريق تشكيل ثلاث قوى كبرى غير عربية في المنطقة هي: إسرائيل، تركيا، إيران. وأما العرب فما عليهم إلا ان ينتظروا طويلاً طويلاً.. فدورهم لن يأتي ما داموا يشكلون أي تهديد للدولة العبرية الغالية جداً على قلوب قادة الغرب بمن فيهم أقرب المقربين إلى العرب: جاك شيراك.
ثم يضيف هؤلاء الخبراء قائلين ان التصريحات المعادية لإسرائيل أفادتها أكثر مما ضرتها، لأنها وضعتها مجدداً في حكم المسكينة المدافعة عن نفسها ووجودها والمحاطة بغابة من الوحوش والأشرار المكشرين عن أنيابهم في حين انها هي التي تستطيع تهديدهم بل ومحوهم من الوجود عن طريق قنابلها الذرية الرهيبة. وبالتالي فإسرائيل كسبت تأييد الرأي العام الغربي بل وحتى العالمي بعد ان كانت صورتها قد تدهورت كثيراً في السنوات الأخيرة بل وابتدأت حقيقتها تنكشف لهذا الرأي العام العالمي بالذات. وبالتالي فما عليها إلا ان تشكر أصحاب التصريحات العشوائية وتطالبهم بالمزيد.
كاتب سوري
باريس