الرؤية التفصيلية المحددة التي طرحتها مصر علي الولايات المتحدة من أجل التوصل إلي حل شامل ودائم ونهائي للقضيتين الفلسطينية والعراقية تمثل الاسهام المصري الأبرز في هذا المجال منذ سنوات عديدة وهي أيضا تمثل التحرك الجوهري الأشمل الذي تقوم به دولة مركزية في منطقة الشرق الأوسط لوضع نهاية لحالة الفوضي وعدم الاستقرار والتوتر التي تعيش فيها المنطقة منذ عقود طويلة‏.‏

وتكتسب هذه الرؤية اهميتها من أنها صادرة عن دولة ذات ثقل ودور تاريخي وقدرة علي التأثير في مجريات الأحداث علي الصعيد الاقليمي والدولي كما انها دولة معروفة منذ زمن طويل بسياساتها الداعمة للاستقرار والسلام والأمن‏.‏ ومن ثم فإن مقترحاتها يجب النظر اليها علي أنها تصب في صالح المنطقة بأكملها وليس في صالح طرف ضد آخر‏.‏

ثم ان هذه الرؤية تطرح مالم تستطع أطراف أقليمية ودولية أخري ان تقدمه وهو إطار شامل وتفصيلي يتم تنفيذه علي مدي زمني محدد للتعامل بجدية وواقعية مع أهم قضيتين في المنطقة وهما القضية الفلسطينية والأزمة العراقية مع ملاحظة ان بعض الأطراف الاقليمية والدولية كانت تطرح رؤية هلامية وأحيانا مبتسرة للحل دون أن تقرنها بخطوات وإجراءات محددة وجدول زمني للتنفيذ‏.‏

وتنطلق الرؤية المصرية الجديدة من موقف ثابت يعتبر القضية الفلسطينية هي جوهر الصراع في المنطقة وقضية العرب المحورية ومن شأن تسوية هذه القضية أن تخلق مناخا جيدا لتحقيق الاستقرار والسلام يساعد علي تسوية القضايا الأخري‏.‏ وفي هذا السياق اقترحت مصر تسوية هذه القضية علي مرحلتين تنتهيان باقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس داخل حدود‏.1967‏

أما بشأن الملف العراقي فقد اقترحت مصر عدة خطوات لانهاء العنف الطائفي في مقدمتها ضم العناصر المعارضة للوجود الأميركي والقوي المقاتلة للعملية السياسية وضرورة تعديل الدستور لضمان مشاركة الجميع في هذه العملية‏.‏

ان التوقيت الذي طرحت فيه مصر رؤيتها شديد الأهمية فالمنطقة تمر بمنعطف خطير وتكاد تنزل إلي حالة من الصراع لم تشهده منذ فترة طويلة‏.‏ وهو صراع تؤججه تورط القوة العظمي الوحيدة في العالم وهي الولايات المتحدة بشكل مباشر في احد النزاعات بالمنطقة تحديدا العراق‏.‏ كما أن أجواء الأزمة التي تخيم علي قضية الملف النووي الإيراني تزيد من خطورة هذا الصراع وإمكانية تطوره وتوسعه‏.‏

أيضا لايبدو ان هناك أفقا للحل أو حتي للتهدئة علي المسار الفلسطيني فالاقتتال الداخلي بين الفلسطينيين والتعنت الإسرائيلي لايتركان مجالا للحديث عن حل أو تهدئة‏.‏

وتأتي الأزمة اللبنانية لتضيف بعدا جديدا للصراع من خلال تورط أطراف أقليمية في دعم الفرقاء المحليين الأمر الذي ينذر بعواقب وخيمة علي لبنان والمنطقة‏.‏

وأزاء كل هذا التوتر‏,‏ كان لابد لطرف إقليمي مؤثر وفاعل مثل مصر أن يتقدم في محاولة لنزع الفتيل وإعادة الهدوء وتوجيه طاقات المنطقة إلي التنمية وتحسين مستوي المعيشة‏.‏

ولذلك فان المطلوب من الجميع وفي المقدمة الولايات المتحدة التعامل بجدية مع الرؤية المصرية الجديدة واعتبارها أساسا لتحرك دولي جديد لأن البديل هو ترك الأمور تتفاعل حتي تنفجر بشكل لن يستطيع أحد مواجهته‏.‏

ومن الضروري النظر إلي هذه الرؤية والمقترحات علي أنها فرصة لابد للمجتمع الدولي أن يستغلها خاصة انها مطروحة من جانب دولة داعمة للاستقرار وساعية للسلام ولها تجربتها المميزة في تحقيق السلام وكذلك الاستقرار‏.‏