بدأت قيادتا «فتح» و«حماس» حوارهما في مكة المكرمة. الجانبان أكدا حرصهما على اجتناب الفشل وبذل أقصى الجهود للخروج باتفاق. وثمة كلام بأنهما لن يغادرا الديار المقدسة، قبل إنجاز المهمة. الضغوط غير اعتيادية على أجواء اللقاء. والمسؤولية هائلة على القيادتين.
الظرف خطير وغير مسبوق والساحة الفلسطينية تقف ولأول مرة عند حافة الحرب الأهلية. الاحتكام إلى السلاح صار العملة المتداولة، في علاقات التنظيمين. كما أنها المرة الأولى التي يلتقيان فيها بجوار بيت الله الحرام، وفي ظل مطالبات فلسطينية وعربية بأن لا يتركوا قصر السلام قبل أن يتوافقوا على مخرج يعزز الوحدة الوطنية ويقيها من الأدهى والأخطر.
في اللحظة ذاتها، تقتحم جرافات الهدم الإسرائيلية محيط المسجد الأقصى القريب من إحدى البوابات المؤدية إلى حرمه؛ وذلك في امتداد المخططات الخبيثة المستهدفة للحرم القدسي الشريف. كما يأتي ذلك استكمالاً للمشروع التهويدي الجديد في القدس القديمة. وبذلك يصبح المسجد والمدينة العربية تحت سيف الخطر الجدي؛ كما لم يحصل مرة من قبل.
يضاف إلى كل ذلك ضغوط الشارع الفلسطيني، الذي أطلق عدة مظاهرات تطالب الفريقين بضرورة الخروج باتفاق وطني؛ يضع حداً للنزف الداخلي، الذي يهدد استمراره بتسديد الضربة القاضية للقضية برمتها. ويواكب ذلك جو من الهدوء في غزة وحالة من الترقب؛ حيث الرسالة لا تخطئ وهي أن الوجهة التي ستأخذها الساحة مرهونة بنتائج حوار قصر السلام.
وكانت إشارات إيجابية سبقت الاجتماع ـ مثل حل مسألة المخطوفين بين الطرفين ـ وما ينبغي أن يندرج في خانة التحفيز لإنجاز المطلوب أن إسرائيل بدأت تبدي مخاوفها من أن يؤتي لقاء مكة بثماره. حصول التوافق على حكومة وحدة وطنية، من شأنه أن يؤدي إلى استدارة الضغوط شطر تل أبيب ومطالبتها بالعودة إلى التفاوض والالتزام باستحقاقاته.
الشطط الفلسطيني الداخلي شطح أبعد مما تحتمله القضية وظروفها. بلغ حدود التفريط بتماسك الساحة وبرصيدها. أدى بالوضع الداخلي إلى غرفة الطوارئ. إذا لم يكن إلى غرفة العناية الفائقة. الأمر الذي اقتضى المعالجة في مكة. المدلول واضح والمخاوف مشروعة. فلا مبالغة بالقول إن الأمور كانت مهددة بالانهيار الموازي لنكبة فلسطينية أخرى. خاصة في هذا الزمن الذي تعصف فيه رياح التهديدات المصيرية على المنطقة وتغرقها بالهموم.
في الماضي كان الشاغل الطاغي يتمثل بقضية واحدة. اليوم صار الهم موزعاً على قضايا وملفات بالجملة. وكلها من العيار الثقيل ومن الصنف الذي يفيض عن وعائه المحلي. وبالتالي صار على أكتاف المنطقة حمولة ثقيلة. فلا هي قادرة على احتمال تداعيات اقتتال أهلي فلسطيني؛ ولا الساحة الفلسطينية قادرة بعد الآن على احتكار كل الانشغال العربي بها.
الظروف تغيرت. ومن هنا الأهمية الخاصة لاجتماع مكة. والالتزام بعدم فض جلسات الحوار قبل بلوغه الحصيلة المنشودة هو التزام في محله. ففي هذا اللقاء يتقرر وضع الساحة الفلسطينية بل وضع القضية الفلسطينية وحتى إشعار آخر؛ قد يطول أمده.
وإذا كان من الأهمية بمكان أن يتكلل الاجتماع بالمتوقع منه، لأن الخيبة الآن لا تحتمل؛ فإن الأهم أن يحظى الاتفاق المرغوب بالالتزام الثابت لترجمته وإلا فإن الخيبة ستكون أشد وقعاً وقساوة. وهكذا النتائج.