لا تمثل إيران بأي شكل من الأشكال دولة قادمة إلينا من الفضاء الخارجي لهذا الحيز الجغرافي من العالم، كما أنها دولة لم تأت من العدم، بل إنها دولة مثلت جزءا مفصليا من جغرافيا وتاريخ وثقافة هذه المنطقة. نحن كدول ومجتمعات وجماعات وأفراد قد يتفق البعض منا معها في سلوكها أو مواقفها أو قد يختلف في كل أو بعض ذلك.
وقد يتجه البعض منا إلى عدم الوثوق بها أو في سياساتها أو سلوكها، لأسباب بعضها قد يكون نتيجة لاختلاف في المصالح والمشارب والإيديولوجيا وبعضها الآخر خاص بالذات والتاريخ ولربما الدين والمعتقد، إلا أن كل ذلك لا ينفي عنها أن تكون جزءا من هذا العالم وإن اختلفنا أو تحاربنا أو تخاصمنا معها أو البعض منا معها.
إيران تمثل قومية أخرى دخلت ثقافتها وبعض من معتقداتها في تماس مع ثقافتنا ولربما معتقداتنا الدينية والدنيوية، وهي بذلك قد دخلت في ثقافتنا المكتوبة واللامكتوبة، كما أننا قد شكلنا بإسلامنا وثقافتنا الإسلامية هويتهم الجديدة واكتسبوا، منذ أن دخلوا في إسلامنا، جزءا كبيرا أو قليلا من ثقافتنا ومعتقداتنا.
لن نذهب في الحديث عنها بعيدا في التاريخ، فما كان لهذا أن يقيم لوحده المستقبل، إلا اننا مع ذلك نقول إن إيران قد تعاقب على حكمها منذ مطلع القرن العشرين حتى الآن نظامان سياسيان وجد البعض منا أو جلنا فيهما قدرا من القبول والرفض. فسيادة قوى اليسار والقوى القومية في العقود السابقة على الاستنهاض الإسلامي قد وجدت في الحقب الشاهنشاهية نظاما مغرقا في العنصرية والتعاون مع المصالح الغربية وإسرائيل بعد إنشائها في عام1948، ضد المصالح العربية.
وهو فوق هذا وذاك، فإنه كان نظاما غير ديمقراطي حكم المجتمع الإيراني خصوصا في سنوات الشاه الأخيرة، كما يقولون بالحديد و النار. إلا أنه مع ذلك كان نظاما مهما في حسابات الاستقرار والمصالح بالنسبة للغرب وبعض الأطراف العربية، بل إنه قد دخل في أحلاف مع بعضها ضد بعضها الآخر، والتي قد يكون أبرزها حلف بغداد.
وفي سنواته الأخيرة قدم الشاه أشكالا من الدعم المادي والمعنوي لمصر السادات عندما قاطعها العرب. ومع ذلك يبقى النظام الإيراني الشاهنشاهي رغم كل ذلك نظاما قد أقيم على قيم الحداثة والعلمانية وهو نتيجة لذلك قد أنجز الكثير على صعيد التحديث الاجتماعي والاقتصادي وإن كان نظاما مصادرا للحريات أو كابتا لها.
أما النظام الحالي والذي جاء بعيد ثورة شعبية، فهو قد أقيم بفعل تبني الجماعات التي سيطرت عليه، الفكر الإسلامي ولن أقول الإسلام لأن الإسلام هو دين المجتمع الإيراني قبل مجيء هذا النظام وبعده. بمعنى آخر أن تسمية الدولة الجديدة «بالجمهورية الإسلامية» لا يغير من حقيقة دين المجتمع الإيراني قبل وبعد ذلك .
وهي بتصوري تسمية يقصد منها أمر أسلمة الدولة أكثر منها المجتمع لأنه في الأصل كان وسيبقى مجتمعا مسلما. وهي في ذلك تختلف عن الدول الإسلامية الأخرى في كون الدين قد شكل أيديولوجية الدولة الجديدة وهي في واقع الأمر الدولة الدينية الوحيدة بعد الفاتيكان التي يشكل الدين أساس قيامها.
ولم يحالف الحظ وقد تكون قلة الخبرة والحنكة أو بالأحرى التحرش بأشرس الدول في العالم، الإمارة الإسلامية لطالبان السلفية في أن تستمر دولتهم الدينية في أفغانستان، فبقيت بذلك إيران تمثل الدولة الدينية الوحيدة في العالم الإسلامي. وقد ساعدها على تحقيق ذلك توظيفها لما يسمى بالصعودي الثوري في المجتمع الإيراني في مطلع الثمانينات قبل استقرار الدولة في عقد التسعينات من ناحية وتخلصها أو تهميشها للقوى الأخرى المناوئة أو المعارضة لها.
وقد خفت بدرجة كبيرة ثورية النظام وجموحه نحو تصدير الثورة إلى الخارج عن مطلع الثمانينات. فإيران قد تخلت بدرجة مهمة عن ثوريتها الأولى، وخصوصا في فترتي حكم رفسنجاني وخاتمي، إلى قدر من العقلانية في تعاملها مع مجتمعها في الداخل وكذا يمكن القول عن الخارج، إلا أن هذه العقلانية تبقى مع ذلك في تهديد دائم من القوى والجماعات الدغماتية داخل مؤسسة الحكم والمؤسسة الدينية والمجتمع.
فهذه القوى رغم ما أصابها من أفول في السابق، إلا أنه يبقى بحوزتها القدرة على استثمار أخطاء الآخرين في الداخل وأخطاء الغرب والولايات المتحدة الأميركية لتجديد قوة حضورها في الداخل وتأكيد صحة مقولاتها.
بمعنى آخر أنه عندما تشعر القوى الدغماتية أن قوة الأطراف الأكثر اعتدالا داخل المؤسسة السياسية والدينية الحاكمة في إيران بدت تزاحمها أو تقصيها فإنها نتيجة لذلك غالبا ما تلجأ نحو استثمار أخطاء الآخر في الداخل أو الخارج من ناحية أو اختلاق قضايا ومشكلات يتم من خلالها حشد الجماهير في الداخل وتعزيز تعاطف الخارج. ولا أعتقد أن القضية المثارة حول « الهولوكوست» أو محرقة اليهود إبان حكم النازية وكذا قد يمتد هذا لمسألة الحق الإيراني في تطوير القدرات «النووية السلمية»، كأمور ليست ببعيدة عن هذا التوظيف.
من ناحية أخرى فإن الطريقة التي يتعامل بها النظام الإيراني مع قضايا الداخل والخارج ليست منفصلة عن السياق السياسي العام للنظام، بل إنها متمفصلة، كما هي في معظم الأنظمة الشمولية، في تلك الايديولوجيا المهيمنة على الدولة والمجتمع. ولا تختلف لغة النظام وخطابه عن لغة وخطاب معظم النظم الشمولية الأخرى في المنطقة العربية وغيرها، مع بعض البرغماتية السياسية التي قد تميزه عن الأنظمة الأخرى المشابهة.
فرغم، مثلا تشابه النظامين العراقي السابق والنظام السوري من حيث انتمائهما لذات الأيديولوجيا وبالتالي الخطاب ولربما الممارسة، إلا أن ما ميز النظام السوري البعثي عن العراقي البعثي السابق هي درجة البرغماتية السياسية التي تمتع بها ابان حكم الرئيسي السوري السابق حافظ الأسد، سواء كان الأمر في علاقته بالدول العربية المسماة بالمحافظة أو من حيث علاقته بالغرب والولايات المتحدة الأميركية.
وقد جاءت قمة هذه البرغماتية في التحاقه بالتحالف العام المُحرر للكويت من الاحتلال العراقي. لقد كان النظام السوري بالفعل نظاما ذا قدرة على قراءة المتغيرات الإقليمية والدولية التي هي من حوله قراءة صحيحة. وأخشى أن يكون النظام الإيراني في عهد الرئيس احمدي نجاد قد فقد هذه البرغماتية التي تمتع بها أسلافه.
وككل الأنظمة الشمولية كذلك فإن هذه البرغماتية قد تضعف عنده إذا ما استشعر هذا النظام أو ذاك أنه في ذلك مستهدف من حيث وجوده كقوة ودولة وليس من حيث السياسة وممارساتها، وهذا ما قد يقوده إلى الكارثة. ومثل هذه التقديرات إن هي في الغالب إلا مبنية على تقديرات انطباعية تغذيها ثقافة الانغلاق من ناحية وجمود الإيديولوجيا من ناحية أخرى.
ورغم أن القوة الإيرانية قد ضمرت بفعل سقوط نظام الشاة وبفعل الموقف الأميركي منها كما هي حرب الثماني سنوات مع العراق وبفعل كذلك عمليات الانتقال من الثورة إلى الدولة. إلا أنها قد استطاعت مع ذلك وبفعل غياب العراق وضعف الأطراف الإقليمية الأخرى، أو غياب سياساتها، أن تعيد بناء نفسها وحضورها إقليميا ودوليا. وباتت هي تمثل وتحديدا خلال السنوات الثلاث الماضية، قوة إقليمية ذات ثقل في أكثر من موقع وقضية.
فهي الدولة التي لها وزن وثقل في لبنان كما أنها ونتيجة لغياب السياسة العربية الواضحة من العراق، ونتيجة كذلك لتخبط السياسة الأميركية فيها، قد أصبحت إحدى القوى المؤثرة في الفعل السياسي الداخلي في العراق. بل إن العراق قد بات يمثل بالنسبة لها «الخاصرة» السهلة الوخز في الجسم الأميركي كلما حاول الأخيرة تحجيمها.
بمعنى آخر باتت هذه القوة الإيرانية الصاعدة من جديد في إطارها الإقليمي يتم اختبارها من خلال تجليات الفعل السياسي أو العسكري في العراق ولبنان وفلسطين، أو في مواقع أخرى في العالم العربي والإسلامي ولربما العالم. فالقوة لا تقاس مجردة عن الآخرين، بل إن تجلياتها ومقدار فعلها تقاس في العلاقة بالآخر، بل إنها تُمثل كذلك من خلال تقييم الآخر بكونها تمثل القوة.
ولربما من المهم القول إننا نحن العرب لا نمتلك سياسة واضحة من إيران مبنية على أساس المعرفة أو المصالح، ولربما أبسط مثال على ذلك هو تخبط الموقف من الحالة العراقية وميوعة الموقف أو اللا موقف من البرنامج النووي الإيراني. وهذا بخلاف الموقف الأميركي أو بقدر أقل الأوروبي من إيران. فالولايات المتحدة الأميركية ترى في الطموح الإيراني مثلا نحو التحول إلى قوة نووية تهديدا لما يسمونه «بالسلم الإقليمي والعالمي».
وهي كما يبدو جادة في موقفها من عدم السماح لها من أن تقوي مواقعها الإقليمية بقوة نووية: سلمية كانت أو عسكرية. ولا أعتقد أن الموقف الأميركي منها مبني على أساس عرقي أو ديني أو إيمان النظام أو كفره، وإنما هو مبني على أساس تحليلهم لطبيعة أيديولوجيا النظام وممارساته، ولا ننسى كذلك طبيعة الموقف الإيراني المعادي لإسرائيل الذي يزيد من ضراوة الموقف الأميركي المعادي لها.
فالقول إن الولايات المتحدة تتبنى مواقف وسياسات مزدوجة، وذلك بقبولها أن تكون إسرائيل القوة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط، قد لا يستقيم إذا ما عرفنا أن أميركا بدأت تقبل بما أسماه البعض بالقوة النووية الإسلامية في باكستان. فدرجة الرفض ثم القبول الأميركي للقنبلة النووية الأميركية ينطلق أولا من حقيقة أن النظام الباكستاني، بالإضافة لكونه نظاما حليفا لها فهو كذلك رغم ديمقراطيته المنقوصة إلا أنه يبقى بالنسبة لها نظاما لا شموليا..
فإيديولوجيا الردع والخوف لا تمثل ركنا أساسيا في النظام. وثانيا أن النظام الباكستاني رغم مواقفه، والتي لن نقول عنها بالمعادية وإنما غير القابلة بالسياسات الإسرائيلية، إلا أنه لم يختلق الصراع معها، أو أن يأتي لدعم قوى المقاومة الفلسطينية الداعية للقضاء على إسرائيل أو تلك المعادية للولايات المتحدة الأميركية، وهي المسألة التي يقف على النقيض منها النظام الإيراني.
ثم إن الصين دولة شمولية من حيث أيديولوجيا الدولة وحزبها الحاكم، إلا أنها رغم نووية الدولة وإيديولوجيتها الشمولية، إلا أنها قد استطاعت أن تتعايش مع أميركا ووجدت فيها الأخيرة رغم هذا التناقض دولة يمكن التعامل معها، بل إنها قد وجدت فيها دولة يمكن أن تتنازل لها في بعض المواقع والمواقف. ولنا عودة قادمة في ذات الموضوع.
كاتب بحريني