أدولف هتلر ليس أول من صدع بنظرية التفوق العنصري للجنس الآري. فقد جاء طرح هتلر العنصري في أعقاب الحرب العالمية الاولى بعد مضي قرون على حرب الإبادة التي شنتها جماعات المهاجرين البيض الأوروبيين ضد قبائل الهنود الحمر في الأراضي الأميركية، وضد قبائل الزولو في جنوب إفريقيا وضد القبائل في الأراضي الاسترالية.تلك كانت حروباً عنصرية صرفة، نابعة من عقيدة بأن الإنسان الأبيض ذا الشعر الأشقر مخلوق متفوق على سائر البشر، وللحديث مناسبة.

ففي خلال الأسبوع أثيرت ضجة كبرى في فرنسا حول كتاب تعليمي بعنوان «أطلس الخلق» من تأليف عالم إسلامي تركي ذي مكانة أكاديمية على مستوى عالمي، ومن خلال الكتاب الذي يقع في أكثر من 700 صفحة ويحفل بكثير من الرسوم التوضيحية أراد هارون يحيى أن يدحض نظرية العالم الإنجليزي تشارلز داروين التي ظهرت في القرن التاسع عشر بعنوان «أصول الأنواع».

الاستخلاص النهائي لنظرية داروين هو «البقاء للأصلح»، بمعنى أنه من خلال مسيرة التطور الطبيعي للحياة وتقلباتها الطبيعية تنقرض الأنواع الضعيفة من المخلوقات لعدم قدرتها على التأقلم مع التطورات، بينما تصمد الأنواع القوية لما تملك من قدرات طبيعية، وهذه المسيرة يطلق عليها داروين «عملية الانتخاب الطبيعي» التي تنتهي إلى مبدأ «البقاء للأصلح»، أو للأقوى.

لكن المشكلة هي أنه سواء قصد داروين أو لم يقصد فإن النظرية جرى استغلالها للتبرير العنصري لحملات الاستعمار والإبادة الأوروبية في «العالم الجديد» (أميركا) وإفريقيا وآسيا. ولذا فإنه أصبح للنظرية قدسية في الغرب وكأنها كتاب سماوي، إلى درجة أنها صارت في المناهج المدرسية بديلاً عن قصة الخلق، كما يرويها الإنجيل والكتب السماوية الأخرى.

من هنا كانت الضجة حول كتاب «أطلس الخلق» بعد أن وصلت إلى المدارس في فرنسا آلاف النسخ منه عن طريق البريد أرسلتها المؤسسة الناشرة في اسطنبول التي تقوم على تمويلها هيئات إسلامية ومسيحية معاً.

إن المفارقة التناقضية واضحة بشأن قصة الخلق بين نظرية داروين والكتب السماوية. فبينما تقطع النظرية بتفوق عنصر بشري على عنصر بشري آخر بحكم الطبيعة فإن الكتب السماوية تقول إن البشر جميعاً يولدون وهم متساوون في الذكاء الطبيعي، والفوارق التي تأتي بعد ذلك مردها إلى عوامل ثقافية وحضارية، وهي على أية حال فوارق غير ثابتة وليست نهائية. فالتفوق الحضاري هو كما يعلمنا التاريخ دورات ارتفاع وانخفاض بين الأمم، أما التفوق على المستوى الفردي فإن معياره الأساسي كما يقول القرآن هو الاستقامة الخلقية والتقوى وليس العنصر أو اللون.

ويبقى سؤال: هل لنظرية داروين مغزى غير معلن؟

الرؤية اليهودية الصهيونية تقوم على أساس عنصري مفاده أن اليهود «شعب الله المختار». فهل أراد داروين أن يقيم حجة «علمية» لتبرير الرؤية اليهودية الصهيونية؟