نشاهد في عصر الصورة مظاهر مسلحة لما يعرف اليوم بالميليشيات، وتزداد تلك الظاهرة في منطقتنا العربية، غير أننا لسنا حالة استثنائية ومتفردة، إنما فرداتها المعاصرة هي بروزها بشكل كبير في أربع دول هي العراق ولبنان وفلسطين والسودان، فكيف نفهم تلك الظاهرة تاريخيا ؟ وكيف نستوعبها بعد هذا الانتشار المروع في زمننا العربي ؟لم يجد الأخوة العرب في معجمهم لترجمة تلك المفردة اللاتينية ( الميليشيا - المقاتل ) إلا عبارة الصناديد !! فكيف انبثق صناديد العالم ؟!
هناك اختلافات حول جذورها ولكن الأغلبية تجمع على أنها مولود انكلو سكسوني نبع من التقاليد الانكليزية عام 1066 وحملوه معهم لما وراء المحيط في القرن السادس عشر عندما استعمروا العالم الجديد وهناك أطلقوا عليها الحرس الوطني ، فصارت قوة دفاعية وهجومية في مراحل متعددة، من أهمها مرحلة الحروب مع الهنود في أميركا الكولونيالية ، ثم تتالت في فترة الثورة الأميركية والحرب الأهلية بين الجنوبيين والشماليين.
ولعبت الميليشيا الدور نفسه في حرب 1812 وهي حروب أميركية ضد فرنسا. وتميزت الميليشيا حينذاك بأنها نصف نظامية وبتدريب عسكري محدود وقوة دفاعية تجاه الغزاة ، وعادة ما تكون للدفاع الأهلي في حالة الطوارئ ، باعتبار أن الميليشيا تعد عملا تطوعيا ، من هنا اتسمت بالتدريب المحدود والقيمة العسكرية المحدودة والانضباط قياسا بالجيش النظامي وغالبية طرقها تعتمد على التكتيك.
وتزايدت تلك الظاهرة مع مرحلة تمرد العبيد في المستعمرات ، لهذا لعبت الثورات في تعزيز وبعث حياة الميليشيات وتطويرها ، بينما كانت البدايات للميليشيا هو الدفاع عن الولايات لدى الأمراء إلى أن تم دمجها في جيش نظامي في بداية القرن العشرين.وقد اهتم جورج واشنطن بفكرة التطوير عندما كان كولونيلا في ميليشيا ولاية فرجينيا وعرف قيمتها ووظيفتها في الهجوم والدفاع في الحروب الكولونيالية ما بين أعوام 1775-1781 خاصة أثناء حملته في بسط الأمن في أنحاء الريف والأطراف الأميركية.
ومع انتهاء الصراع بين الكونفدراليين والاتحاديين سنة 1879 اتجه إلى تسمية الميليشيا كقوة متطوعة إلى الحرس الوطني مستلهما التسمية من فرنسا ، التي عاشت حقبة من الصراع العنيف والدموي بين الكومونيين في باريس والحكومة الرسمية في فرساي سنة 1870، في فترة عصيبة هي فترة الحرب بين بروسيا وفرنسا. ونجح جورج واشنطن في التأثير على الكونغرس الأميركي بإصدار قانون ( 264) في التاسع من مايو عام 1792 بارتداء ملابس رسمية للميليشيا، وظل ذلك التشريع ساري المفعول حتى بدايات القرن العشرين.
وإذا كانت الميليشيا تعتبر هي الضامن للحرية والداعم للجيش ، فإنها أثناء تشكل الدولة في الحرب الأهلية من الممكن أن تتحول اما لدعم السلطة أو أداة لدعم الاستبداد حينما يصبح لتلك الميليشيا أنياب قاتلة. ومنذ عام - 1830 - 1840اهتم العديد من الدول بإلزامية الخدمة للميليشيا كنواة للجيش وقوة نظامية منظمة ، وتطورت الفكرة حيث صار من الضروري ضبط حمى الذهب في المكسيك وكاليفورنيا وباتت مهمة رجل الميليشيا مهمة مدنية ، أكثر من كونها مهمة عسكرية في فترة الأزمات ، ووجد الفقراء والشباب مصدرا جديدا يلتحقون به.
حيث صار دورهم مع فترة نمو وتطور سلك الشرطة ومتصل معه من اجل التعاون في ملاحقة الجريمة وأداء الحراسات الضرورية للحدود والأمكنة المهمة في ولايات تدار بحكم ذاتي، وأصبحت السلطات المحلية تنظر للميليشيا على أنها قوة تساعد الشرطة في صيانة القانون والنظام ، حيث في هذه الحقبة تعرضت المدن الكبيرة للفوضى والاحتجاجات المدنية ، من الفلاحين الفقراء النازحين من الأطراف والعاطلين عن العمل ونمو الطبقة العاملة الجديدة والمشردين.
فإذا كانت الميليشيا في جذورها فلاحية ، انبثقت مع نمو الحروب الكولونيالية والأهلية وتمرد الفلاحين في الريف ، فإن الميليشيا الحكومية ستصبح قوة جديدة في مواجهة العمال الصناعيين بملابسهم الموحدة ، وانضباطهم المهني وتبلور فكرة الصراع الاجتماعي بين الطبقات وضرورة إسقاط السلطة بالقوة والعنف وتحول الميليشيا إلى خلايا عسكرية سرية ، وبسبب نمو الطبقة العاملة واتساعها ونمو الجيش شكل الاثنان مخاوف للسلطة فصارت الميليشيا الرسمية بمسمياتها المختلفة ضد المضربين وضد الانقلابات.
ومنذ حقبة كومونة باريس والصدام العنيف وجد العمال الصناعيين أن انتفاضة العمال المسلحة وحدها الطريق لإسقاط السلطة البرجوازية ، وباتت فكرة أن يتحول العمال المنظمين إلى ميليشيا مسلحة ، دفعت كل المنظرين الراديكاليين يواصلون تعزيز تلك الأفكار في المدن الصناعية النامية بسرعة ، لهذا أخفقت الثورة الروسية عام 1905 في مواجهة القيصرية ، ولكنها في عام 1917-1918 نجحت في استلام السلطة. وتواصل هذا النهج المسلح داخل الأحزاب الثورية ، فاستلهم فكرتها أدولف هتلر سنة 1927 -1933 لحزبه النازي عندما رأى النظامية والانضباط في الميليشيات العمالية المسلحة في الثورة البلشفية.
وباتت أوروبا مركزا لذلك النموذج فرأينا ايطاليا حقبة موسوليني والحرب الأهلية في اسبانيا ، كما انتقل لهيب أوروبا إلى ثورة المكسيك التي قدمت نموذجا للميليشيات المسلحة في القارة ، وسنجد نماذج عدة متكررة لسنا هنا بصددها الان، غير أن حروب التحرير في الهند الصينية اعتمدت على فكرة الانطلاق بميليشيا مسلحة من الريف ثم اتسعت شعبيا ،.
ولكنها لم تلتزم تلك الثورات بفكرة الملابس الموحدة كما هي ملابس العمال الصناعية، لما نعرفه من طبيعة الفلاحين، بقدر ما ركز قادة تلك الثورات على فكرة الانخراط والتطوع في تلك الثورات والانتفاضات المسلحة ، وصارت تلك الثورات تجمع ما بين نماذج ثلاثة الميليشيا والجيوش النظامية ومجموعات حرب العصابات. وبوسعنا أن نلمس تلك النماذج من الميليشيات في عصرنا الراهن في مناطق عدة من العالم ،.
ولكن النموذج العربي للميليشيات يذكرنا بلثام الكوكلاس كلان، من جانبها السري وان كانت الأولى عنصرية اقرب لنهج العصابات (المافيا ) مع أن توجهاتها سياسية، محتفظة بشكل ملابسها الموحد، ولكن مضمونها الحقيقي العنصري لا يلتقي مع توجهات الميليشيات الوطنية التي كانت انطلاقاتها تحررية دائما.
دون شك حملت الميليشيات أسماء عدة كمكون وضامن للسلطات والحكومات خشية من تمرد شعبي أو رسمي في مؤسسة الجيش ، لهذا كان الحرس الجمهوري والحرس الأميري والملكي والوطني والثوري ، جميعها في النهاية قوى ومؤسسات لحماية السلطة، بينما صارت الميليشيات الجديدة، مؤسسات سلطوية وعنيفة تدافع عن مصالحها وتوجهاتها كما هي ميليشيات حماس وفتح والجهاد وحزب الله وجنود السماء والمهدي وغيرها ، والجديد فيها ملابسها السوداء الموحدة ولثامها المتميز ، ولكن الموحد الإسلامي هو ذلك الشريط بألوانه المتعددة والتي تؤكد على الجهاد والشهادة كيافطة سياسية وشعار ثابت.
كاتب بحريني
