لن يجد الفلسطينيون بكل تنوعاتهم واتجاهاتهم أفضل وسيط من خادم الحرمين الشريفين لأنه لم يتحرك بأي خطوة تجاه الأمة العربية والعالم الإسلامي بدوافع ذاتية أو غايات تتعدى أمانة المسؤولية، ولو أنه أراد كبعض الدول الأخرى ترك القضايا لأصحابها، لفضل الصمت، والدعم المحدود أسوة بغيره، لكنه، وهو الذي يحظى بثقة كبيرة من قطاع عالمي كبير، وزعامات دول عظمى، أراد أن يلقي بثقله وقوة بلده بأهم قضية أدرك أنها مفاتيح العافية، أو الأمراض لكل المنطقة، وما حولها..
القيادات الفلسطينية الراهنة تنتمي للجيل الثاني أو الثالث ممن عرفوا الاحتلال وتبعاته من تصفيات ومحاولات لتغييب الهوية، وبالتالي إذا كان المؤسسون الأوائل قدموا واجباتهم وطروحاتهم في وقت لم يكن العالم يسمع لهم وإنما يركض وراء تأسيس الدولة الصهيونية، فإن الجيل الذي حمل راية النضال السياسي والعسكري، وقدم التضحيات الكبرى، أن يكون على مستوى المسؤولية ليس فقط أمام الشعب الفلسطيني الذي دفع كل شيء، وإنما أمام العالم، وسمعة هذا الشعب وقضيته..
في السنوات الأخيرة، بدأ الرأي العام الدولي يظهر تعاطفه مع المشهد الفلسطيني، وصار من بين المنظمات الصهيونية من يرى الواقع بتداعياته وكيف أن إسرائيل التي طالما تظاهرت بالضعف، وحالات الإبادة من الأوروبيين، تحوّلت إلى مقتص من الفلسطينيين بوحشية لا تقل عن ممارسات النازية والفاشية، لكن ما حدث بين الأخوة أصحاب القضية شيء لم يكن متوقعاً حين خرج الخلاف السياسي إلى التراشق بالبنادق، وهو ما أعطى إسرائيل نفساً جديداً جيّرته لصالحها بعد كل تجاوزاتها، وهنا جاء الملك عبدالله مدفوعاً بواجبه العربي، وأخلاقه الإسلامية أن يكون صاحب المبادرة في جمع الفرقاء في مكة المكرمة، وبحضور شخصي منه،
وفي هذا الإطار، ووسط مراقبة فلسطينية من كل الفصائل، ومن العالم كله الذي يرقب النتائج، نأمل أن تكون القيادات الوطنية، فوق كل الخلافات وأن ترقى برؤيتها إلى ما يتعدى مكاسب منظمة، أو أشخاص ما، وبدوافع أخلاقيات النضال الذي طالما كان شرف كل عربي ومسلم، وأن لا يكونوا مجرد أدوات أو مندوبين عن أي دولة، بحيث يبقى القرار وطنياً بدون أي تدخلات من طرف مناوىء، أو مؤيد لأي فصيل، ونحن نعلم أن كفاءة الأشخاص الذين يحضرون هذا المؤتمر، وثقافتهم، وتجاربهم الطويلة، تؤيد إخراج الأزمة من حالتها المعقدة، والصعبة إلى الانفراج التام والتلاقي على مصلحة عليا، أهم من جميع التصورات والأهداف ذات الغايات الخاصة..
وحتى لا نستبق الأحداث فنحن بانتظار النتائج، والتي نأمل أن تشكل المنعطف الأهم في واجب مقدس لقضية مقدسة..