وسط الحالة المفجعة السائدة والمتراوحة، بين جنون العنف الدموي وبين مخاطر الانزلاق إلى جحيم الحروب الأهلية في أكثر من ساحة عربية، هبت فجأة رياح الحوار. موجة شملت الساحات التي استبد بها التأزيم وتفاقمت أمورها، بصورة تهدد بوقوع كوارث مدمرة فيها.
كافة محاولات التقارب والمصالحة والتوفيق، بين أطرافها، سبق وباءت بالفشل. حتى ما أثمر منها، لم يصمد. في أحسن أحواله كان لشراء الوقت، وما لبث أن تلاشى. الآن تتكرر هذه المحاولات. ومرة أخرى تحت يافطة الحوار. والملفت فيها أنها هاجمة من كل صوب تقريباً وأنها متزامنة. وفي ذلك مدعاة للترحيب ومساحة لالتقاط الأنفاس.
أمس عادت الأطراف الفلسطينية إلى طاولة الحوار. هذه المرة، في مكة المكرمة. حوار «الفرصة الأخيرة»؛ حسب ما يطلق عليه، أو غير المسموح الفشل فيه؛ حسب توصيف الأطراف المشاركة فيه. ذلك أن هذه الأخيرة تدرك التبعات المترتبة على تفويت هذه الفرصة. حصيلة الأسابيع الأخيرة، خير ناطق عن الصورة المصغرة، لما يترتب على ترك حبل الأزمة على غاربه.
كذلك هو حال الساحة اللبنانية الواقفة على حافة الهاوية. فهي بانتظار وصول الأمين العام للجامعة العربية، عمرو موسى، بين اليوم وآخر الأسبوع؛ لاستئناف وساطته؛ على قاعدة المبادرة العربية التي سبق له أن طرحها على الفرقاء اللبنانيين؛ الذين أبدوا ترحيبهم بعودته المرتقبة.
على صعيد المنطقة، يتواصل الحوار والتشاور بين المملكة العربية السعودية وإيران بشأن ملفات المنطقة. ولا شك أن استمراره ترك انعكاسات إيجابية على الأجواء عموماً. وربما أدى إلى تسهيل الحلحلة، على أكثر من صعيد، إذا ما قدر له ان يتواصل على أرضية الالتزام المشترك بقطع الطريق أمام الانفجارات التي تهدد المنطقة. يضاف إلى ذلك وربما يصب في تعزيز الهدوء وتبريد الأجواء؛ ما تردد ولوحظ عن هبوط حدة الخطاب الأميركي خلال الأيام الأخيرة؛ تجاه إيران.
فالمسؤولون الأميركيون أخذوا يتحدثون عن الرغبة في حل المشاكل مع طهران «دبلوماسياً». وكان من الملفت أن يدعو رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، إلى قيام حوار بين واشنطن وطهران. وتأخذ دعوته هذه بعدها الأبرز، من كون أنها قد صدرت وهو يقوم بزيارة للعاصمة الإيرانية.
إذاً في الجو نسيم حواري. طبعاً كل الأطراف المنخرطة في الحوار أو الداعية إليه أو المشجعة عليه؛ لها حساباتها واعتباراتها. الجديد ان مصالحها ربما تقاطعت، في هذه اللحظة، عند ترجيح كفة هذا الخيار، في التصدي لأزمات المنطقة ونزاعاتها. وهي لحظة نادرة. وهنا تكمن أهميتها؛ إذ انها توفر فرصة للأطراف المحلية؛ لابد من اغتنامها للخروج من شرنقة أزماتها وصراعاتها الطاحنة.
لقد جربت خيارات التصعيد ولعبة العض على الأصابع وأيضا المواجهات. والنتيجة كانت المزيد من التعقيد والتدهور. وتزداد المخاطر من كون هذه الساحات صارت أو تحولت إلى جزء من صراعات إقليمية أكبر. وإذا كان من غير المتوقع أن تقوى موجة الحوار، التي تعبر المنطقة الآن، على فض كل نزاعاتها وإيجاد الحلول لها؛ فإن الممكن والمطلوب ان يجري التعامل معها من زاوية تحويلها إلى نمط بديل، لقد حان أوان العبور من لغة العنف إلى لغة التخاطب؛ بحثاً عن الحلول.