تحقيق نجاح واحد مسعى يعجز عنه الكثيرون، ومن ينجح في مجال معين قد لا يتمكن من تكرار ذلك في أي مجال آخر، ليس على مستوى الأفراد فحسب، وإنما كذلك على مستوى الشعوب والأمم. أما حين تتكرر النجاحات وتتعدد مجالاتها، فلا بد أن هناك أسبابا غير الأنماط المعهودة والأساليب المعتادة عند معظم الناس، وغالبية الدول والحكومات بوجه خاص.فكيف إذا كانت النجاحات والإنجازات تترى متلاحقة، وكأنها في تلازم محكم يقود بعضها بعضا ويؤدي إليه!

لكن المتتبع لتطور دولة الإمارات ونهضتها الشاملة، منذ قيام الاتحاد وعلى طول مسيرته المتنامية، يجد أن ما تحقق على هذه الأرض، التي كانت صحراء جرداء قليلة السكان، لا يمكن وصفه بأقل من الإبداع والتميز اللذين أصبحا سمة راسخة ورمزا يماثل الهوية الخالصة لدولة الإمارات وقيادتها التي تلاحمت مع شعبها، وكرست كل الجهود والإمكانيات لرفعته وتطوره والارتقاء بالوطن إلى المراتب العليا في درجات النهوض والتقدم.

يوم السبت الماضي (3 فبراير 2007) أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، ملامح خطة دبي الاستراتيجية للسنوات العشر المقبلة «التي تتحرك في فضاء دولة الإمارات وتتكامل مع الخطة الاستراتيجية للدولة»، كما أوضح سموه.

وفي اليوم التالي اصدر صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة مرسوما بتشكيل أعضاء المجلس الوطني الاتحادي تضمن مشاركة تسع نساء لأول مرة، لتصبح الإمارات بذلك الدولة الثانية على مستوى العالم من حيث نسبة النساء البرلمانيات.

وقبل أيام من هذين الحدثين الإنجازين (في 30 يناير)، أحرز منتخب الإمارات بجدارة واستحقاق بطولة دورة الخليج الثامنة عشرة لكرة القدم، محققا بذلك انجازا آخر في مسيرة الانجازات التي طبعت مسار الدولة الاتحادية عامة، وفي هذه المرحلة بشكل خاص. وهنا لا نتحدث عن الجانب الرياضي في هذا الانجاز، فللرياضة متخصصون وخبراء لا نستطيع مجاراتهم ولا نريد التطفل على مجال اختصاصهم، لكننا ننظر إليه من باب المنظومة المتكاملة للانجازات الشاملة، سياسيا واقتصاديا ورياضيا أيضا.

وهذا ما عبر عنه صاحب السمو رئيس الدولة أثناء تتويجه للاعبين، حيث أكد على «استثمار مثل هذه البطولات الرياضية في تغذية شباب المستقبل على حب الوطن والإخلاص والتفاني في العطاء»، مضيفا سموه أن «دولة الإمارات ستظل دائما في كل المحافل والفعاليات، سواء الرياضية أو غيرها، حريصة على أن تكون ملتقى للمحبة والتعارف بين شباب دول المنطقة والعالم».

وتأتي إستراتيجية دبي (2007-2015) التي عرضها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، لتضع النقاط على الحروف وتوضح مكامن وأسس هذا التميز الذي اختارته الإمارات لنفسها والتزمت به نهجا فكريا وممارسة عملية، تستند إلى حقائق الواقع لكنها تتجاوزه إلى مستقبل لا يرقى إليه أي طموح آخر.

فقد أوضح سموه أن هذه الإستراتيجية التي اختار لها عنوانا لافتا «دبي.. حيث يبدأ المستقبل»، «ستجعل دبي تنبت ذهبا وفضة».

ومع أن دبي حافظت منذ عام 2000 على معدل نمو بلغ 13%، وقلصت مساهمة النفط في الناتج المحلي الإجمالي إلى 3% فقط عام 2006 بعد أن كان 54% عام 1975، فان الاستراتيجية الجديدة تحدد معدل النمو المستهدف ب11%، رغم أن الواقع المتحقق خلال السنوات الماضية يمكن تكراره والاعتماد عليه دون مبالغة أو مزايدة.

ومن ابرز ملامح هذه الاستراتيجية، التي تقوم على أسس واضحة و«تقف على أرضية صلبة من الانجازات النوعية التي تشكل القاعدة القوية للتنمية المستدامة في عصر المعرفة»، أنها تحدد نهج التميز وأسبابه بوضوح وجلاء، إذ لم يكن لهذه الانجازات أن تتحقق لولا «إصرارنا على تحدي أنفسنا»، وعلى «حشد قدراتنا»، «وتوظيفها في الاتجاه الصحيح»، في مواكبة واعية ومدركة لمتطلبات «عصر المعرفة».

فمع الإصرار على تحدي النفس، وحشد القدرات المتسلحة بالمعرفة، وتوظيفها توظيفا صحيحا دون هدر أو في الاتجاه الخاطئ، لا غرابة أن تتحقق الانجازات وتتوالى، بحيث يصبح التلازم بينها وكأنه هو القاعدة الثابتة وليس الاستثناء النادر.

إن الانجاز التاريخي بتقليص دور النفط، في بلد نفطي، إلى 3% من الناتج الإجمالي، لا يمكن الوصول إليه بالتمني وإطلاق الشعارات، وإنما بالجهد العلمي المتواصل وفق رؤية شاملة وتخطيط مدروس ومتابعة ميدانية، ومن تجربة النجاح الفريدة هذه يمكن أن تستفيد الدول الشقيقة والصديقة، كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.

فهل يتلقف الأشقاء في الدول والحكومات العربية، خاصة، هذه الهدية الكريمة للاحتذاء بهذا النموذج الحي والسير على نهجه الواضح؟