نعيش عصراً أشبه بعصور التخلف السالفة حيث تسود نزاعات سياسية ذات صبغة طائفية وعرقية، فما نشاهده ونعيشه اليوم من مظاهر الحضارة المعاصرة ما هو إلا قشور وشكل لحقيقة قاسية ومره نمر بها في هذه المرحلة التاريخية من حياة أمتنا. لقد أصبحنا من الضعف والخواء الثقافي بحيث نصدق ما نسمعه ونقرأه، وعلى استعداد لتبريره دون وعي ثاقب يدرك ماهية ما يدبر لنا.

تضخ هذه الأيام في أروقة السياسة ووسائل الإعلام مصطلحات غربية ويروج لها كما كانت تصدر مثل هذه المصطلحات في كل مرحلة تاريخية لأغراض سياسية أو غيرها. المشكلة تكمن في المفاهيم التي تحملها تلك المصطلحات والأهداف البعيدة التي تكمن وراءها.

وبعيداً عن نظرية المؤامرة سنحاول أن نتعرف على مصطلح قد تم تضخيمه ويطبق في العراق بعد إسقاط النظام السابق هو مصطلح الفوضى البناءة وهذا المصطلح ليس الأول ولن يكون الأخير الذي يستهدف بلداننا العربية، لقد خرج قبل ذلك مصطلح الديكتاتور المستنير وغيره من المصطلحات الغريبة حيث تجد التناقض في المصطلح نفسه، ودخلت تلك المصطلحات التداول الإعلامي والسياسي العربي.

ودعونا نقف أمام مصطلح «الفوضى البناءة» كيف تكون الفوضى بناءة ؟! فهل الشعوب التي تقدمت حضارياً في الغرب والشرق قد لجأت إلى الفوضى البناءة كي تحقق ذلك التقدم؟ ولماذا تصدر لنا مثل تلك المصطلحات والمفاهيم؟ والسؤال الأنكى هو: كيف ولماذا نصدقها وتقبلها عقولنا؟

الأمر الذي يمكن فهمه من طرح هكذا مصطلحات يكمن في المفهوم الذي يحمله المصطلح، والمقاصد من ورائه، فعلى المستوى السياسي طرح مصطلح الفوضى البناءة في العراق، وهذا الطرق يثير تساؤلاً آخر، هل فوضى الدمار والحرب والقتل على الهوية الدائرة اليوم في العراق هي أمر مقصود ومخطط له ضمن ذلك المفهوم؟

للإجابة عن هذا السؤال لابد من طرح الآتي: هل يعقل أن نفهم أو نصدق بأن من يقودون العالم اقتصادياً وسياسياً وعولمياً اليوم، ويملكون أحدث تكنولوجيا الكون في وقتنا الحاضر، وسبق ان نزلوا على القمر قبل أربعين عاماً، ويسعون للوصول إلى المريخ مع كل ذلك التقدم العلمي والإداري غير قادرين على إدارة بلد مثل العراق! أم ان الأمر فيه وله غايات أخرى تخفيها الفوضى البنائية.

إن الفوضى لها وجهان أحدهما مدمر للعراق بالقتل والتخريب وتعطيل التنمية، وهدر الإمكانية، وتقسيم البلد على أساس عرقي وطائفي، وبنائه للسياسة الأميركية وحلفائها عندما ينهك البلد ويغرق بالدمار فيتحقق الوجود والبقاء والمصالح، وتبقى الحاجة للمحتل مستمرة، ثم هل هناك بوادر لأن تكون هذه الفوضى في العراق بناءة فعلاً؟ فأية فوضى بناءة هذه؟!

إن العراق يغرق في حرب أهلية خطيرة، ويغرق في الدماء، وإن حل مشكلته بيد العقلاء العراقيين، وإن منطق القوة أياً كان مصدره ليس حلاً، لابد من الحل السياسي وطنياً، والخشية ان تكون الفوضى البناءة هي لتنفيذ مخطط خطير يستهدف هذا البلد وغيره من بلداننا بالتقسيم العرقي والطائفي. نعم لقد ارتكب النظام السابق جرائم بحق هذا الشعب وجيرانه، وقد انتهى لكن ما يحصل اليوم من حصد لأرواح الأبرياء لأسباب طائفية وثأرية شيء رهيب وخطير ليس على العراق وحده ولكن على المنطقة كلها.

وهناك من يحاول تغذية الفوضى غير البناءة من داخل العراق وخارجه، وهناك من يحاول احتواء ما يجري، والعمل على وقف نزيف الدم واللجوء إلى الحوار لتحقيق الاستقرار وإعادة البناء بيد ان تلك المحاولات بشقيها السلبي والإيجابي متعارضة متصادمة تثمر في جانبها السلبي وتتعثر في جانبها الإيجابي.

ويمكن الجزم والتأكيد بألا حل خارجياً لأزماننا بل داخلياً يبدأ بوقف ما يسمى بالفوضى البناءة فهي فوضى مدمرة، ومن المستحيل ان تكون الفوضى بناءة في يوم من الأيام. وعندما تعجز كل القوى عن مواجهة مثل تلك الأزمات تلجأ إلى تدويل مثل هذه القضايا وهذا ما يخشاه الغيور على هذه الأمة ومصالحها ومستقبل أجيالها.

إن كل القضايا التي تم تدويلها انتهت بمساومات لم تخدم الشعوب فالتدويل سينتهي إلى استحالة التعايش العرقي والطائفي، ومن ثم يحدث التقسيم، وهذا جزء من المخطط المرسم لما يسمى بالشرق الأوسط الجديد، وهو مخطط خطير لابد من مواجهته وإفشاله، وقد سبق لنا ان ناقشنا هذا الموضوع.

إن آجلاً أم عاجلاً سيكتشف المتقاتلون في هذه المنطقة بأنهم لم يكسبوا شيئاً وإن بلدهم قد دمر، وإن أهلهم قد قتلوا، وإن الفوضى «البناءة» قد نجحت، وانهم إما رهنوا البلد للتبعية طويلاً أو للتقسيم، وإن أرواحاً بريئة قد ذهبت، وعليهم ان يبدأوا من نقطة الصفر، ويجلسوا على طاولة الحوار وينبذوا كل تعصب طائفي وعرقي لكن قد يكون ذلك بعد فوات الأوان، يبدو أننا لم نتعلم من تجاربنا التاريخية وهذا لبنان لم يتعلم من دروس الحروب الأهلية وبخاصة الحرب الأهلية الأخيرة 1975 ـ 1987م.

إن الأمة تعاني اليوم نزيفاً من دماء أبنائها وتآكلاً في مقوماتها، وتدهوراً وبخاصة في العراق ولبنان وفلسطين، ومعظم ذلك التدهور تصنعه أيدينا، وقد أثبتت التجارب التاريخية بأن وحدة الشعوب وطنياً تمنع أي اختراق خارجي مهما كانت قوته وتأثيره، وإن العوامل الخارجية مؤثرة عندما تكون الأوضاع الداخلية هشة ومهيأة لذلك التأثير.

ويبدو أن أحد أهم عوامل الصراع والدمار يتشبث بها لتنفيذ سياساته وبرامجه دون اعتراف بالآخر، والإقصاء للآخر ديدنه، ولم تتمكن شعوبنا وقواها السياسية والاجتماعية التخلص من إشكالية السلطة بالممارسة الديمقراطية، ويبدو أننا نعيش مخاضاً خطيراً، وقد اعتقدنا خطأ بأن الأمة قد تجاوزت مرحلة الصراع والنزاع الأهلي الفئوي والأيديولوجي لندخل مرحلة الديمقراطية والتنمية لكن يبدو أن الطريق طويل وشاق وذلك كله بفضل الفوضى البناءة.

كاتب كويتي