قبل نحو ثلاثة عقود استأجرت شركات تصنيع السجاير الأميركية مجموعة من كبار الخبراء الباحثين «لتبرهن علميا» عبر عمليات بحث مختبرية أنه لا علاقة إطلاقا بين تدخين السجاير وأمراض السرطان والقلب والرئة.
وهكذا بقيت هذه «الحقيقة» العلمية الثابتة لأكثر من ثلاثين عاماً، كانت تتوسع خلالها أسواق السجاير في العالم، وتتضاعف أرباح شركات إنتاج التبغ. ولكن مع تصاعد معدلات الإصابات بالأمراض الخطيرة المشار إليها في أوروبا والولايات المتحدة اضطرت معاهد البحث الحكومية في الغرب إلى إجراء بحوث مختبرية حيادية أثبتت نتائجها بصورة علمية قاطعة الخطورة الصحية للدخان كسبب رئيسي لانتشار أمراض السرطان والقلب والرئة.
الآن تواجه البشرية ظاهرة تدميرية مصيرية تتضاءل أمامها خطورة التدخين، لكنها تتشابه معها على صعيد شراء البراهين «العلمية» بالمال.إنها ظاهرة الاحتباس الحراري التي تهدد بفناء كوكب الأرض بأكمله وبالتالي فناء الجنس البشري.لكن رغم خطورتها فإن تنامي هذه الظاهرة قابل للسيطرة والضبط بواسطة البشر لأن النشاط البشري نفسه هو المسؤول بالدرجة الأولى عن بروز هذه الظاهرة ونموها.
مع ذلك فان قوى رأس المال ذات النفوذ العالمي تسعى، مدفوعة بمصالحها الذاتية، إلى اختلاق تكذيب لسبب الظاهرة عن طريق شراء العلم بالمال. ظاهرة الاحتباس الحراري المتنامية عالمياً وما تنتج من تغيرات مناخية خطيرة في أنحاء العالم، نشأت عن انبعاثات الغازات التي تؤدي إلى ارتفاع متوسط الحرارة بما يؤدي بدوره إلى ارتفاع مستويات البحار والمحيطات لتتمدد إلى اليابسة وتواتر موجات الحر الشديد ودرجات الحرارة القصوى فتزداد حدة الأعاصير والعواصف والأمطار الغزيرة والفيضانات.
هذا هو ملخص التحذير الذي صدر عن مؤتمر للخبراء الحكوميين في التغيرات المناخية اختتم في باريس خلال الأسبوع. ولكن التحذير الأعظم هو تأكيد هذه المجموعة من كبار العلماء على أن مسؤولية البشر عن تدهور المناخ العالمي وتداعياته الخطيرة بنسبة 90%.
هنا وعلى الفور أنبرت مؤسسة بحثية أميركية تعارض هذا الاستخلاص. لكن الغريب أن «معهد المشروع الأميركي» ليس لديه ما يمكن أن يقدمه كحقيقة علمية مضادة لما أقره مؤتمر باريس، فقرر أن يستخدم الرشوة المالية كوسيلة لشراء «دليل علمي» يلائم رؤيته.
بعثت إدارة المعهد الأميركي برسائل إلى علماء في الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أخرى تعرض عليهم صراحة مبالغ مالية مقابل «معلومات» تدحض النتائج العلمية التي تبناها 500 عالم من 130 دولة في مؤتمر باريس. مجموعة شركات السجاير الأميركية كانت تسعى لحماية مصالحها الربحية عندما استأجرت علماء في الماضي القريب. ولكن ما هو هدف معهد المشروع الأميركي؟
لا تذهب بعيداً. اسأل فقط عن مصدر التمويل. فالمعهد يعتمد في تمويله على «اكسون موبيل» ـ أكبر شركة نفطية عالمية. ولنستذكر أن المحروقات النفطية هي أكبر مصدر لانبعاثات الغازات التي تسبب الاحتباس الحراري!