يستحق الملك عبد الله بن عبد العزيز التقدير لقبوله التصدي لإنجاز المهمة الصعبة بإعادة قيادتي «فتح» و«حماس» إلى وعيهما بالأصل في علة وجودهما، وبالأثر المدمّر لخلافاتهما التي كادت وما تزال تنذر بالتحوّل إلى اقتتال أهلي يذهب بالشعب والأرض والقضية المقدسة... فضلاً عن السلطة التي بلا سلطة!
لقد ألحق «أهل القضية» من الأذى بقضيتهم وبصورتهم كحملة لراياتها وبحقوقهم التي يعترف بها العالم، ما لم يستطع أن يلحقه بها العدو الإسرائيلي. وعلى امتداد الشهور الماضية تصرفت قيادتا هذين التنظيمين الكبيرين
وكأن «السلطة» التي ليست سلطة أهم لدى مجموعهم من «القضية»... ولم يتورّع بعضهم عن الاستعانة بالعدو الإسرائيلي على أخيه، ومن أن يتواطأ مع الأجنبي (الأميركي أساساً) على حقوقه الطبيعية في أرضه، وأولها أن تكون له «دولة»، ولو على بعض تلك الأرض المقدسة.
ولأن الأنظمة العربية، بمجموعها، ضعيفة إلى حد التهالك، وعاجزة إلى حد الفضيحة، ومستسلمة لشروط أعدائها بلا قتال، فقد أدى العجز عن ترسيخ الوحدة الوطنية في الداخل إلى تنافس فتزاحم فصراع على احتكار «السلطة» التي غدت بديلاً من الوطن والقضية..
ووسط أجواء الخيبة والهوان والضياع كان لا بد أن يؤدي ذلك كله إلى الاقتتال بين رفاق السلاح، بل بين الأخوة الأشقاء في البيت الواحد، وإلى مهادنة العدو (أو ربما الاستعانة به) لتصفية الشقيق المزاحم أو المنافس أو المندفع إلى احتكار السلطة وطرد شركاء المصير من «جنتها»، لينتهي الجميع في جحيم الحرب الأهلية، تاركين للعدو الإسرائيلي أن يحتفل بالنصر فوق مِزَق الحلم الفلسطيني ـ بل العربي ـ بالتحرير واستعادة الأرض والقرار الوطني المستقل.
كانت المشاهد التي توالت على امتداد الأسابيع الأخيرة مفجعة، لأنها لم تكن تعكس مأساة الفلسطينيين وحدهم، بل المأساة العربية جميعاً... لقد شغلت «السلطة» الجميع عن «القضية»، فتهاوت شعارات التحرير، وأخليت الساحة أمام العدو فانطلق يغتال من المجاهدين من كان يصعب وصوله إليهم، ويزيد من صعوبة الأحوال المأزومة التي يعيشها عموم الفلسطينيين في ظل الحصار العربي ـ الدولي الذي منع وصول المساعدات المقرّرة والمعونات أو النجدات الطارئة على حد سواء.
وكان واضحاً أن العدو الإسرائيلي ومعه الإدارة الأميركية والتخلي العربي وضياع أهل السلطة في الداخل الفلسطيني، كل أولئك معاً «يتعاونون» على استيلاد اليأس من الذات ومن الشقيق... ومن ثم تعميم هذا الشعور باليأس على العرب أجمعين، لا سيما في العراق تحت الاحتلال الأميركي، وبعده في لبنان الذي تفاقمت فيه الخلافات السياسية، لا سيما بعد الحرب الإسرائيلية عليه في تموز ـ آب من العام الماضي، حتى ضاعت الحدود بين الصح والغلط والحلال والحرام بما وفر المناخ لاشتباك أهلي قابل للتحوّل إلى اقتتال بل وإلى فتنة عمياء لا تبقي ولا تذر شيئاً من الوطن الصغير والجميل.
وهنا بيت القصيد: فلقد باشر خادم الحرمين الشريفين مهمة ذات طابع إنقاذي مع القيادات اللبنانية، فدعا بعضها إلى لقائه في المملكة، وأوفد المبعوثين ليعززوا مهمة سفيره الناشط في بيروت الدكتور عبد العزيز الخوجة، بهدف الوصول إلى مشروع تسوية لأزمة السلطة وتقاسمها بما يطمئن الجميع ويعيد تثبيت الوحدة الوطنية على قواعد سليمة.
كان الجو في لبنان، بالاحتقان الذي تكاثفت غيومه السوداء، ينذر بما يتجاوز السلطة والحصص فيها إلى الفتنة بين المسلمين، سنة وشيعة. ولقد نشط السفراء الأجانب، كبارهم والصغار، كما نشطت الحكومات الأجنبية إلى بذل «المساعي الحميدة» في التحريض وفي إسقاط مشاريع التسوية السياسية بالضغط الدولي..
ووجد من يربط بين هذا التعارض الذي بدأ سياسياً في لبنان وبين الصراع المحتدم في المنطقة الذي فجّره الاحتلال الأميركي للعراق بكل نتائجه الكارثية، وبالأطراف المشاركة فيه أو المتأذية منه أو المدفوعة إلى التورّط فيه وغالباً بذريعة الدفاع عن النفس وحصر الحريق في أرض الرافدين...
وتشابكت المصالح والأهداف والأغراض فإذا «دول الجوار» في حومة الصراع: إيران وسوريا، دول الخليج جميعاً وتركيا... علماً بأن الاحتلال الأميركي قد وسّع لإسرائيل هامش التدخل في الجرح العراقي الثخين..
ولقد زاد ذلك كله من حدة الانقسام في لبنان، خصوصاً أن سلطته في أزمة خانقة منذ جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، التي نتج عنها خلل فاضح في العلاقات اللبنانية ـ السورية، مما انعكس بدوره سلباً على العلاقات بين حلفاء الأمس في الداخل، ووسّع هامش التدخل أمام الساعين إلى إحداث فتنة..
وحين قدمت «المبادرة العربية» ممثلة بالأمين العام لجامعة الدول العربية إلى بيروت، كانت الضغوط والإغراءات الدولية أقوى من الجهد العربي للتسوية... فازدادت الأزمة حدة حتى أطلت نذر التفجير في الشارع.
وها هو لبنان معلق على جدار أزمة السلطة فيه، تائه عن الحلول، برغم أنها معروفة، إذ تأخذه لجة الصراعات الدولية والإقليمية بعيداً عن المنطق الطبيعي والمصلحة الوطنية. على هذا فإن اللبنانيين عموماً يعلقون أهمية قصوى على نجاح المهمة الملكية في إعادة «الأخوة ـ الأعداء» الفلسطينيين إلى جادة الصواب وإلى رحاب قضيتهم المقدسة..
إن نجاح الملك عبد الله بن عبد العزيز في مهمته الفلسطينية يؤمّل للبنانيين بأن يضع ثقله وثقل المملكة، وهو حاسم في منع الفتنة، من أجل الوصول إلى تسوية مقبولة في هذا البلد الجريح... خصوصاً أن ضمانته تذهب بالكثير من أسباب القلق والشك بالشريك ـ الأخ، وتساعد في عودة الجميع إلى رحاب الوحدة الوطنية والحكومة المجسّدة لها...
وبهذا يضيف خادم الحرمين الشريفين مكرمة جديدة، إذ يجمع اللبنانيين ـ مرة أخرى ـ من حول شهيدهم رفيق الحريري الذي جاءهم من المملكة فبنى وعلّم وعمَّر واجتهد لتدعيم الوحدة الوطنية، وكان دمه آخر عطاءاته... وها هو لبنان، بفئاته جميعاً، يستعد لإحياء الذكرى الثانية لشهيده الكبير، في ظلال الخوف على وحدته، بل على دولته جميعاً، وتستطيع المملكة أن تقدم له الكثير من أسباب الاطمئنان إلى اليوم والغد.
طلال سلمان