تجاوزت الأوضاع الأمنية والسياسية في العراق حالة كونها أزمة، وتحولت إلى كابوس مع تصاعد وتيرة العنف الطائفي وتقصير حكومة نوري المالكي في الوفاء بتعهداتها بمحاربة العنف أيا كان مصدره. ويبدو من مجريات الأحداث خلال الأسابيع الفائتة أن الاحتلال والحكومة العراقية يعيدان إنتاج الفشل، فالرئيس الأمريكي جورج بوش يستعد لإرسال أكثر من 20 ألف جندي إضافي لإذكاء نيران المحرقة، فيما يتكشف يوما إثر يوم تواطؤ جهات حكومية مع التيار الصفوي في البلاد.
وبات واضحا وبعد ما يقرب من 4 أعوام على الغزو، أنه لا توجد سياسة واضحة وناجزة تجاه العراق لا من جانب القوات الغازية التي افتقدت البوصلة في أوحال العراق، ولا من جانب الحكومة غير المتجانسة. وبسبب هذا الوضع تحولت البلاد إلى أكبر ملعب عالمي للإرهابيين والجواسيس والقتلة الذين يتناتشون الجسد العراقي المسجى والذي لم يعد فيه موضع شبر إلا ويئن من انفجار قنبلة أو سيارة مفخخة.
وما يجري في مسرح العبث العراقي يمكن النظر إليه من 3 زوايا. أولاً: هنالك مجموعات غير عراقية جذبها مغناطيس العنف في بلاد الرافدين لقتال الأمريكيين. وثانيا: هنالك جماعات مقاومة وطنية تسعى لطرد المحتل واستعادة سيادة العراق. وأخيرا نجد أن هناك جهات خارجية ضالعة في إشعال حريق العراق وتسعى لتحقيق أطماع خاصة بها. وعلى الرغم من تباين أهداف الموجودين على الملعب العراقي، لا تزال الإدارة الأمريكية على قناعتها القديمة بجدوى الحل العسكري لتفكيك كل هذه التعقيدات الميدانية، فيما لا تزال جهود الحكومة العراقية نحو المصالحة لعزل الإرهابيين تراوح مكانها.
الشاهد أن العراق الذي كان أحد أبرز منارات الفكر والفن والشعر منذ قرون تحول بين عشية وضحاها على يد "المبشرين الجدد" إلى ماكينة جهنمية لتفريخ الإرهاب وإنتاج الموت. بل إن حجم الدمار الماثل يكاد يعود بالعراق إلى القرون الوسطى. وإن كان ثمة أمل في إنهاء العنف فإن العراق يحتاج إلى عشرات السنين لإعادة تأهيله ماديا وسياسيا وديموجرافيا بل وحتى نفسيا.