يدور جدل أمني ساخن حول الوضع العراقي. ويأتي ذلك على خلفية قرار الرئيس بوش بإرسال عشرين ألف جندي أميركي إضافي إلى هناك؛ لمساعدة القوات العراقية وتمكينها من السيطرة على الوضع. خاصة في العاصمة بغداد. في واشنطن أثار ذلك سجالاً حامياً بين معارض ومؤيد لهذه الخطوة.

وفي بغداد تقول أوساط الحكومة إنها منهمكة بإعداد «خطة أمنية» لوقف التدهور، ويحصل كل ذلك فيما يسجل العنف المنفلت أرقاماً قياسية في عدد ضحايا الأسبوع الأخير سقط خلاله ألف قتيل، ما عدا الجثث المجهولة التي عثر عليها، في أماكن مختلفة.

لا شك أن حمام الدم، المرتفع منسوبه والذي حوّل العراق إلى جحيم لا يطاق؛ فرض البند الأمني كأولوية ضاغطة مطلوب بإلحاح تلبية متطلباتها، ولكن السؤال هو: كما كان من الأساس، كيف؟ تعقيدات الساحة العراقية، بالخلفية التي تحكمها والإشكاليات التي جاء بها الاحتلال والتي عمّقت الأزمة، جعلت من عملية ضبط الحالة محاولة عقيمة؛ لا جدوى ولا طائل منها.

المشهد صار أقرب إلى العبثية، تداخل السياسي بالأمني بالمذهبي، واختلط الخارجي بالداخلي فالتبست الأمور، بحيث صار البلد مفتوحاً على المجهول الأسود. لكن في هذه المعمعة بقيت حقيقة واحدة ثابتة، على الأقل حتى الآن، وهي أن علاج الأزمة العراقية ليس من الضعف الأمني.

الانفلات وما رافقه من شروخ وتفكك وانهيارات، كانت حصيلة لغياب التوافق السياسي وبين الأطراف العراقية المعنية، صحيح أن احتلال العراق والروافد الخارجية التي تصب في ماعون أزمته، جعلت من نجاح العملية السياسية مهمة شبه مستحيلة، لكن الصحيح أيضاً أن القوى المحلية ساهمت وسهّلت إلى حدّ بعيد في هذا التعقيد من خلال التعويل على الاستقطابات الضيقة؛ بدلاً من العمل على تعزيز وتوسيع الاستقطاب الوطني العريض.

تناسلت عن مثل هذا الفرز معادلات وصراعات، نتجت عنها حالات وتغيرات تحوّلت إلى وقائع عنيدة على الأرض؛ مثل مشكلة النزوح التي تتحدث التقارير عن بلوغ أرقامها مئات الآلاف، ولا شك أن من شأن مثل هذا التردّي في الأزمة أن يزيد من تعقيدها. وبالتالي صعوبة تفكيك وفصل خيوطها، أو على الأقل وقف التدهور في مسارها والذي بلغت وتيرته حداً بالكاد يسمح بالتقاط الأنفاس، والأخطر أو ربما الأدهى أن التأزم السياسي الداخلي لا يزال يتفاقم ويتمادى.

في داخل البرلمان تسود أجواء التوتر والتراشق بالاتهامات، التي لا ينتج عنها سوى المزيد من التباعد والنفور المتبادل، الحديث عن «الحرب الأهلية» أخذ يتردد وكأنه أضحى من المسلمات، بعض المدن العراقية، عادت إليها مناخات الفرز السكاني، تحت يافطة ترحيل الوافدين إليها وإعادتهم إلى حيث أتوا، وغير ذلك من القضايا؛ التي بصرف النظر عن مدى صوابيتها من عدمه، تزيد طين التأزيم بلّة لمجرد طرحها في هذه اللحظة العراقية الملتهبة.

ويضيف إلى سوداوية المشهد أن التوقعات عن استتباب أمني، ليس غير قريب فحسب، بل هو مشكوك فيه، حتى من جانب خبراء ومراقبين أميركيين.في ضوء ذلك يعود السؤال القديم ـ الجديد إلى طرح نفسه وإلى أين العراق، من هنا؟ المجهول سيد الموقف. غالبية التقديرات تميل إلى التشاؤم، وفي أحسن حال إلى التخوف، ذلك أنه من دون تفاهم بين العراقيين حول أي عراق يريدون؛ فلا الحلّ الأمني ولا الآخرين بوسعهم وضع العراق على طريق الفرج، فهذه مهمة أهل الدار، إذا أرادوا. تكرار ربما ممل، لكن لا غنى عنه.