قالوا لنا انهم اتفقوا على وقف اطلاق النار وسحب المسلحين من الشوارع. ولم نعد نصدق ما نسمع ونحن محقون في ذلك، فالاشتباكات كانت ما تزال جارية في قطاع غزة وان يكن بصورة أقل حدة وضحايا. والمسلحون حسب آخر الانباء ما يزالون في الشوارع وايديهم على الزناد.
على اية حال فهذا ليس الاتفاق الاول على التهدئة، وليس الاتصال الهاتفي الاول بين الرئيس محمود عباس وزعيم حماس وقائدها الحقيقي خالد مشعل، ووساطة الاخوة المصريين لم تتوقف لحظة ولم تعرف الكلل او الملل، رغم محاولة جهات في »حماس« الاساءة للموقف المصري بادعاء تهريبها اسلحة الى الرئاسة الفلسطينية وهو ما تنفيه مصر والرئاسة وهو ليس تهمة حتى لو كان صحيحا.
ورغم كل هذه الاشارات الايجابية في ظاهرها، فان المواطن الفلسطيني لم يعد يؤمن بما يسمع ولكن بما يرى وهو في انتظار تبلور حكومة وحدة وطنية تكون قادرة على وضع حد لهذه الكارثة التي نعيشها.
وقد يختلف الناس حول امكانية صمود التهدئة او عدم صمودها، وحول اسباب هذه الازمة وخلفياتها، الا ان هناك حقيقة لا يختلف عليها اثنان. هذه الحقيقة هي الغائب الحاضر في هذا الاقتتال المدمر، وهي في النهاية السبب الرئيسي له، ونعني بذلك تحقيق السلام العادل والمقبول والممكن.
ان استمرار السياسة الاسرائيلية التوسعية الرافضة لكل نداءات واستحقاقات السلام، والموقف الاميركي الداعم لهذه ا لسياسة، والتردد الاوروبي الذي يبلغ حد العجز عن التأثير، هي كلها اهم سبب لاستمرار المأزق الفلسطيني والوضع الذي نحن فيه.
لقد كررت اللجنة الرباعية، مرة اخرى، شروطها التعجيزية للتعامل مع الحكومة الفلسطينية، وقررت اميركا ارسال اكثر من ثمانين مليون دولار الى الرئاسة، وابقت على موقفها المقاطع لحكومة حماس. وبين هذا الموقف وذاك، تواصل اسرائيل توسعها وحفرياتها وسياستها المتجاهلة لكل الحقوق الوطنية الفلسطينية.
ولنفرض جدلا ان لهؤلاء جميعا وجهة نظر من حماس مبنية على مواقفها المعلنة ورفضها الاعتراف باسرائيل او الاتفاقات السابقة وكل الشروط الاخرى، فماذا عن مواقف هؤلاء من الرئاسة الفلسطينية ومنظمة التحرير وهما ملتزمتان كليا بالاتفاقات وشروط الرباعية والامم المتحدة والشرعية العربية والدولية، سابقا ولاحقا؟
ان الرئاسة الفلسطينية ليست بحاجة للاموال التي قد يفسرها البعض بانها دعم لفريق ضد آخر، بل ان ما نحتاجه فعلا هو تحقيق دفعة قوية على طريق تحقيق السلام واقامة الدولة الفلسطينية التي يتحدث عنها الجميع ولا يعملون شيئا لتحقيقها.
لقد طالبت ادارة الرئيس بوش امس بمبلغ 145 مليار دولار من الخزينة لتمويل قواتها في العراق وافغانستان؟ وهذا المبلغ الضخم هو جزء فقط من اموال اكبر سابقة ولاحقة، وهي مبالغ تكفي لتطوير الشرق الاوسط وايجاد مئات الاف الوظائف لابنائه ، وبالتالي تجفيف مصادر ما يسمونه الارهاب وينفقون هذه الاموال عبثا لمحاربته.
ان الغائب الحاضر في المنطقة هو هذه السياسة الاميركية قصيرة النظر، سواء أكان الامر في العراق المثخن بالجراح والحرب الاهلية، او في فلسطين الغارقة في الدماء وتواجه خطر الحرب الاهلية ايضا.