يلتقي اليوم في مكة المكرمة، الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس، خالد مشعل. اللقاء على هذا المستوى فرضته خطورة التدهور الذي شهده الوضع الفلسطيني؛ في الأيام الأخيرة.
المهمة واضحة: كسر جليد الخلاف السياسي بين «فتح» و«حماس» بالقدر الذي يكفل تحقيق أمرين:
1ـ الاتفاق على برنامج عمل يكون قاعدة لحكومة وحدة وطنية.
2ـ طي صفحة الاحتكام إلى السلاح بين الفريقين.
التحدي صعب. الصراع قطع مسافة بعيدة. دخلت على خطه حسابات واعتبارات وعوامل كثيرة ومتداخلة، لكن لا خيار إلا واحد من إثنين: إما التوافق السياسي المرحلي، على الحد الأدنى؛ وإما تفاقم الصراع المحكوم بالتمادي والتحول إلى حرب أهلية شاملة.
عناصر المشهد جلية، لا تحتاج إلى استبطان. لعبة العض على الأصابع انتهت. وصلت إلى تخوم خروج الصراع عن السيطرة واندفاعه نحو الحسم الميداني. عدم البت الآن يعزز أجواء الانسداد ويعطي شحنة زخم جديدة لحالة التوتر وبالتالي لخيار الاحتكام للسلاح.
مثل هذا اللقاء، في هذا المكان الذي يتمتع بقدسية خاصة، وفي هذا الظرف العصيب، لا يحتمل أنصاف الحلول، ناهيك بالخروج باتفاقات لا تتصل بجوهر النزاع؛ كالموافقة على تثبيت الهدنة ـ مع أهمية هذه الأخيرة ـ أو على الالتزام بسحب المسلحين من الشارع؛ وما إلى ذلك من قضايا هي الفرع وليست الأصل.
التجربة التي مر بها صراع الفريقين، على امتداد السنة الماضية؛ دروسها بليغة.
أولها أن دوامة العنف لا سبيل للخلاص والخروج منها، من دون تجفيف نبعها السياسي.
اتفاقات وقف إطلاق النار وتشكيل اللجان والحديث عن تحريم إراقة الدماء الفلسطينية بسلاح فلسطيني، وما يتصل بذلك من «خطوط حمراء»؛ كله كلام سئمه الناس. صار عملية سقيمة، بل مرفوضة بقدر ما هو القتال الأهلي مرفوض. باختصار، بات هكذا حديث من نوع العملة التي لا تصرف. كثرة التعامل بها وإفلاس رصيدها جعل شيكاتها غير مقبولة في سوق التداول.
وما يزيد من الإلحاح والحاجة إلى رفع سقف هذا اللقاء وخروجه بنتائج جديدة ومختلفة، هو أن القضية الفلسطينية تواجه الآن هجمة تثبيت أمر واقع احتلالي على الأرض في الضفة. فضلاً عن مواصلة بناء جدار الفصل العنصري وما يقضمه من أراضٍ فلسطينية، تشهد القدس الشرقية محاولات تهويد جذرية؛ سواء حول المسجد الأقصى أو في منطقة باب المغاربة، لشق طريق للمستوطنين؛ بما يمثله ذلك من عملية خلق وقائع تؤثر على الطابع العربي للمدينة.
الدم الفلسطيني سال بما فيه الكفاية. المفجع أنه في الآونة الأخيرة كان للبندقية الفلسطينية مساهمتها الكبيرة في هذا النزف؛ مع كل ما رافقه من تعميق للشرخ وزرع لبذور فتنة تهدد بإطاحة ما تبقى من عوامل الصمود الفلسطيني؛ فضلاً عن بقايا الرصيد الكبير الذي تملكه القضية الفلسطينية.
على الساحة الدولية المواجهات الأخيرة بين «فتح» و«حماس» ألحقت من الأذى وبما لا يقاس، بهذا الرصيد، وقبل كل شيء هي ألحقت من النزف بالجسم الفلسطيني ما لم يقو الاحتلال على تحقيقه في أي وقت. الآن جاءت ساعة الحقيقة. القيادات الفلسطينية أمام استحقاق لم يعد يقبل التأجيل. ففي مكة يتقرر مصير الساحة في هذه المرحلة.