«بالكاد كان يسمعني أحد حينما كنت أصرخ في السابق لأن صوتي لم يتناه بعيداً. أما وقد حصلت على الجائزة فلا يتعين عليّ سوى أن أهمس، وسيسمعني العالم أجمع» ـ هذا ما قاله المصرفي الكبير صاحب فكرة قرض الفقراء الصغير، البنغالي الجنسية محمد يونس بعد أن حصل هو ومصرفه «جرامين» مناصفة على جائزة نوبل للسلام في أكتوبر من العام الماضي.

الآن، يمكن القول انه ليس صوت البروفيسور محمد يونس فقط، بل وأن هذا الإنسان الكبير نفسه قد وصل إلى مملكة البحرين يوم السبت الماضي. وسيوقع فيها غداً، 6 فبراير مع وزارة التنمية الاجتماعية مذكرة تفاهم بهدف إنشاء مصرف يقدم القروض الصغيرة والميسرة للعائلات الفقيرة المنتجة. وستساعدها هذه القروض على إقامة مشروعاتها الإنتاجية الصغيرة وتمكنها من العيش الكريم دون الحاجة إلى الصدقات المجانية.

وفي الوقت نفسه أشار الشيخ إبراهيم الخليفة إلى أن المباحثات جارية حالياً ليؤسس البنك في البحرين وليرأس مجلس إدارته الأمير السعودي طلال بن عبدالعزيز فيما سيتولى رئيس مجلس إدارة بنك البحرين للتنمية (الشيخ إبراهيم الخليفة) موقع نائب الرئيس وسيتولى الدكتور ناصر القحطاني (المدير التنفيذي لبرنامج الخليج العربي لدعم منظمات الأمم المتحدة الإنمائية «أجفند») منصب الأمين العام. (الوطن البحرينية، 22 يناير 2007).

وقد يعرف أو لا يعرف فقراء البلد عن هذا الإنسان النبيل شيئاً، لكن المشروع الذي ينتظرهم، إذا ما تجسد حقيقة واقعة، سوف يغيّر مجرى حياة الكثيرين منهم. ومن الواضح والأكيد أن يونس قد جاء لينجز هذا الهدف بأسرع وأكمل ما يمكن. لذا فإن لسان حال كل من يحمل هموم فقراء بلادنا يقول: يا أيها الكبير.. وجدت أهلاً ووطأت سهلاً في مملكة البحرين.

إلا أن غير الواضح هو عدة أمور أخرى مطلوب معرفتها قبل تحقيق هذا الهدف النبيل. فقبل أكثر من أسبوعين أكد رئيس مجلس إدارة بنك البحرين للتنمية الشيخ إبراهيم بن خليفة آل خليفة إنه يتم التباحث حالياً على وضع صيغة متكاملة لتمكن برنامج الخليج العربي لدعم منظمات الأمم المتحدة الإنمائية «الأجفند» من إنشاء بنك الفقراء «خلال ثلاثة أشهر». وبين التصريح وتوقيع المذكرة يكون قد انقضى أكثر من سدس المدة. فهل أن تحضيرات جدية مع الشركاء الآخرين قد سبقت لتجعل ما تبقى من الوقت كافياً لتأسيس البنك الذي حان أوانه منذ زمن طويل؟

ما يجعل هذا السؤال أكثر إلحاحاً هو تصريح آخر بأن «رأسمال البنك لم يحدد إلى الآن»، وتصريح ثالث بأن الخدمات التي سيقدمها البنك لعملائه «لا تزال موضوع بحث»! وفي حين يجري التأكيد بحق على أن هذا البنك سيعمل بصيغة تختلف عن عمل البنوك الشبيهة في اليمن أو الأردن، فإنه يشار إلى أن البحرين لا تحتاج إلى «القروض المتناهية الصغر؟». والحقيقة أن القرض الصغير أو «المتناهي الصغر» مفهومان نسبيان يختلف مقدارهما من بلد لآخر.

دعا البعض إلى أن البحرين تحتاج إلى مصارف تقدم قروضاً تبدأ من 20 ديناراً لانتشال المعدمين من الفقر. ودعا آخرون إلى أن تتراوح هذه القروض ما بين 50 و 100 دينار. ورأت جميلة المحاري البحرينية المتخصصة في قطاع المؤسسات المتناهية الصغر أنه عندما يحتاج المشروع إلى 200 دينار بينما لا ينطبق المفهوم ( سواء القرض الصغير أو متناهي الصغر) على هذا المشروع فإن ذلك يسبب مشكلة حقيقية تثير إحباط صغار المنتجين.

أما الدكتور ناصر القحطاني، المدير التنفيذي؟ لـ «أجفند» فقد قال ان البنك يهدف إلى منح قروض «تتراوح قيمتها بين دولار واحد إلى 3 آلاف دولار ( حوالي 1132 ديناراً)، وهي الفئة التي لا يخدمها بنك التنمية» (الوقت، يناير 2007). إذن، فالتقديرات تتباين بشكل واسع حول مفهوم «القرض المتناهي الصغر»، لكن قرضاً بقيمة 20 ديناراً وحتى خمسين ديناراً يأتي أقل بقليل من المقدار المطلوب في الواقع البحريني المعاش.

فمن التجربة العملية الخاصة بالبحرين في تطبيق مشروع «ميكرو ستارت» برأسمال قدره 5,1 مليون دولار لإقراض العائلات المنتجة بدعم من برنامج الأمم المتحدة للتنمية والحكومة بالتعاون مع ثلاث من جمعيات المجتمع المدني (أوال النسائية، رعاية الطفل والأمومة وجمعية الإصلاح) فقد تدرجت مبالغ القروض منذ سنوات من 50 ديناراً في البداية ( تسترد على مدى 6 أشهر بفائدة فعلية قدرها الإجمالي 8%).

أما الآن فيفوق مقدار القرض 800 دينار، حيث يستفيد من القروض التي تقدمها جمعية أوال النسائية وحدها بموجب هذا البرنامج أكثر من ألف امرأة من صغار المنتجين حسبما أفادتني مشكورة فاطمة ربيعة، نائب رئيس الاتحاد النسائي البحريني. لكن أعداد المواطنين الذين لا يزالون يتلقون مساعدات خيرية (غير منتجة) تفوق الثلاثين ألف شخص.

وإذا كان من الضروري أن تختلف آليات عمل بنك التنمية عن آليات المؤسسات غير الربحية، بحيث أنها تحقق أهدافها الاجتماعية المرجوة، فإلى جانب ذلك يجب أن تحقق أرباحاً تسمح لها بالديمومة والتوسع على أساس التمويل الذاتي. ولكي يؤدي بنك الفقراء هذه المهمة المزدوجة بنجاح فمن المهم تبسيط طريقة احتساب الفوائد وأن يبين للمقترض كم سيقبض وكم سيدفع لقاء هذا القرض بالدنانير دون إرباكه بالطرق المعقدة التي تتبعها المصارف التجارية. وكما يشير الدكتور مجدي سعيد في كتابه «تجربة بنك الفقراء» (القاهرة، مركز يافا للدراسات والأبحاث، 1999) فإنه يجب «التركيز على الفقراء وحدهم»®.

وأن تشجع هذه السياسة الاقراضية صيغ الاقتراض الجماعي بدون ضمان في مقابل خلق «مسؤولية تضامنية بين المقترضين» حسب الدكتور مجدي سعيد، أو استبدال ضمان الرهن بما سمي «ضغط الشراكة» حسب وصف مدير المعهد الأوروبي لأبحاث آسيا وليم فاندر جيست لنظام التمويل الصغير لمصرف جرامين.

كما يجب أن يصبح المصرف «صديقاً صارماً» لزبائنه بالإرشاد والتوعية واستمرار الإقراض مع التوسع تماشياً مع توسع المشروع ونجاحه. إن بنكاً من أجل الفقراء في البحرين يجب أن تصمم برامجه وآليات عمله لتتناسب وبرنامج وطني عام لمكافحة الفقر في واقع هذا البلد. وعليه فإن آليات الإقراض يجب أن تشمل إلى جانب ما ذكر أعداداً أخرى واسعة من المواطنين الذين يعيشون ظاهرة ما يسمى «بالفقر المخفي».

أي الفقر المستتر تحت ظاهرة القروض الشخصية التي تأكل أقساطها الشهرية من دخل الفقراء لتزيدهم فقراً. كما أنها تجعل حياتهم مهددة بالملاحقات حتى المحاكم. إن شراء قروض هذه الفئات الواسعة وإعادة جدولتها وفق برنامج عام لمساعدة الفقراء الواقعين تحت وطأتها في ترشيد إنفاقهم هي الخطوة الأولى والضرورية للانتقال بهم من مواطنين ينفقون على حساب المستقبل إلى مواطنين يكونون ثروة من أجل المستقبل.

كل تلك الملاحظات والتساؤلات لا تقلل بالطبع من أهمية فكرة إنشاء بنك الفقراء في البحرين وواجب الإشادة بالساعين لتحقيقها من المؤمنين بقول محمد يونس «ان من الممكن القضاء على الفقر تماماً إذا استطاعت المصارف والحكومات حفز الطاقات الخلاقة لملايين الفقراء».

كاتب بحريني

ajnoaimi@gmail.com