بالأمس القريب لم يكن هناك حاجة للتفريق بين قتيل أو شهيد فلسطيني لأن القاتل واحد في كل الأحوال والكل شهداء بلا استثناء ولا داعي للتدقيق في هوية الضحية أو الجلاء على الإطلاق.
لكن في مهب عاصفة الاقتتال الفلسطيني ـ الفلسطيني بات من غير الممكن ذكر أصحاب الدم الراعش دون كلمة مرادفة أخرى تبين ليس هوية الضحية فحسب، بل وهوية القاتل أيضاً، بحيث أصبح لابد من القول إن هذا أو ذاك العدد من الضحايا قد سقط،على سبيل المثال، على يد العدو الصهيوني أو أنه قد سقط بفعل آلة الحقد الطائفي الأعمى في العراق أو على يد أبناء الجلدة الواحدة من الفلسطينيين في فلسطين نفسها.
وفي حين لا يختلف اثنان على حرمة الدم الفلسطيني المراق على أيدي فلسطينية، فإنه لابد من العودة والتذكير مرة أخرى، وبعيداً عن السؤال الساذج المطروح بقوة حول الأيدي الخفية التي تحرك هذه الفتنة، بأن الخارطة السياسية الفلسطينية في الوقت الراهن أو أي خارطة سياسية أخرى تخص أي شعب آخر تحت الاحتلال .
ويتصرف عكس ذلك، لا تسمح بنزيف هذا الدم القاني فحسب، بل إنها قد تفضي إلى أوضاع أسوأ من ذلك بكثير قد تأخذ معها أعداداً أكبر من الضحايا وقد تطول لفترات زمنية لا مجال لمقارنتها بالسويعات التي تدور أثناءها الاشتباكات الآن بين عناصر حركتي فتح وحماس على أرض جزء من الوطن.
ورؤية ذلك الخطر الداهم إنما تتوقف على صوابية تحليل الوضع السياسي الفلسطيني الناشب بعد توقيع اتفاقات أوسلو وما تلاها من اتفاقات واهية بين م. ت. ف. والدولة العبرية، مع ملاحظة أن الفصيل المسيطر على المنظمة الفلسطينية في تلك اللحظة وإلى الآن هو حركة فتح نفسها، التي لم تستشر لا الشعب الفلسطيني.
ولا أي قوة فلسطينية أخرى حول ما كانت ستقدم عليه، وهذا بحد ذاته كان كفيلاً بتقزيم القضية الفلسطينية إلى الدرك الأسفل، بحيث باتت تلك الاتفاقات جميعاً لا تعني من منظور حكام إسرائيل وحلفائهم على الصعيدين العربي والدولي أكثر مما تعنيه الكلمة التي ترمز إلى الكيان الفلسطيني الوليد، ألا وهو السلطة.
هذه السلطة وفق تلك الرؤية، التي ينضوي تحت لوائها حتى اللجنة الرباعية، لا تتعدى خارطة مسؤولياتها أكثر من تلك المسؤوليات المحلية، التي كانت ممنوحة لمجالس البلدية في الضفة الغربية وقطاع غزة سواء في ظل الإدارة الأردنية أو الإسرائيلية أو المصرية في حالة قطاع غزة أو كل تلك الإدارات مجتمعة، وتلك المسؤوليات المتعلقة بالجوانب الخدمية والخدمية فقط لا تمت بأي صلة طبعاً لموضوعات سياسية كبرى تتعلق بالسيادة والهوية وتقرير المصير وعودة اللاجئين من بين موضوعات أخرى شتى.
لكن العقلية السياسية الفلسطينية النافذة والقائمة على الديماغوجية والطوباوية خلطت أوراق اللعبة وراحت تضحك حتى على نفسها معتقدة، أو هكذا تريد أن تبدو، بأن تلك الاتفاقات تعني فعلاً دولة وسيادة وما إلى ذلك من أمور تتعلق بالحالة العادية، بنوع من الاستقلال الناجز، موقعة نفسها والشعب الفلسطيني في مطب تاريخي لن تقوم للقضية الفلسطينية قائمة فيه إلا بعد حين.
أي أن القضية الفلسطينية كانت قبل أوسلو تقف على رجل عرجاء، لكنها كانت تقف في وضعية صحيحة، تكون فيها الرجلين على الأرض والرأس مرفوع في السماء. أما بعد أوسلو فلقد باتت تلك القضية، التي طال أمد حلها، تقف على رأسها رافعة رجليها إلى عنان السماء وهذا يعني أن «الأوسلويين» أصحاب النفوذ فيها قد أرادوها بالمقلوب، بعد أن صار الاحتلال قضية فيها وجهة نظر ويمكن التعايش معه .
وفي ظل شروطه وبعد أن أنزل ذلك الاحتلال إلى المرتبة الثانية أو الثالثة أو ربما الألف في سلم أولويات المواجهة وحل مكانه قوى فلسطينية شقيقة باتت تمثل العدو الأول، الذي لابد من محاربته في حرب ضروس يقدم فيها الغالي والنفيس لإزاحته من الطريق فسحاً في المجال أمام التفرغ لمسألة التعايش مع الحمل الصهيوني الوديع.
القضية الفلسطينية لا تزال كما كانت منذ نشوء الكيان الصهيوني على أشلاء وطن اسمه فلسطين قبل حوالي ستين عاماً. هناك بلد مغتصب بالكامل وليس أراضي محتلة هنا أو هناك وهوية من اغتصبها معروفة للجميع ولن يتحول بين ليلة وضحاها من ذئب شرس إلى حمل وديع وسيبقى، رغم كل محاولات التضليل، العدو الوحيد للشعب الفلسطيني والشعوب العربية الأخرى، الذي يجب ألا تصوب البندقية الفلسطينية أو العربية إلا إلى صدره هو بالذات وليس غيره.