«درهم وقاية خير من قنطار علاج» هو أحد الأمثال الدارجة التي تزخر بها ثقافتنا العربية، والذي يختصر في داخله أهم استراتيجيات التعامل مع الكثير من الظواهر الاجتماعية والطبية، والذي ارتكزت عليه اليوم، بوعي أو بدون وعي، أهم النظريات الحديثة في التعامل مع الشباب. لقد أثبتت التجربة في التعامل مع كثير من القضايا.
وخاصة قضايا التعامل مع الشباب، أن الوقاية هي أفضل وأقل الطرق تكلفة لحماية النشء من الكثير من الأمراض والانحرافات السلوكية المختلفة. لذا تركز معظم الدول في تعاملها مع الشباب اليوم على ما يسمى بالاتجاه التنموي، ذلك الاتجاه الذي يرتكز على فكرة أن الطرق الأمثل والأفضل لحماية الشباب من التورط في السلوكيات الانحرافية هي التركيز على طرح الثقة فيهم أولا ومنحهم الفرصة لتوظيف إمكاناتهم وتحقيق أنفسهم.
وذلك من خلال إعطائهم الفرصة لممارسة القيادة، بناء المهارات، والاشتراك في الأنشطة المجتمعية المختلفة التي تعزز فيهم الثقة بالنفس وتمنحهم الخبرة والحنكة الضرورية التي تساعدهم على النمو وتأسيس شخصية تتمتع بالصحة النفسية والعقلية العالية، كما تمتلك القدرات والمهارات الشخصية المتميزة، والتي سوف تشكل في النهاية الدرع الواقي التي تحصنهم من مغبة الانزلاق إلى طرق الانحراف المختلفة.
لخلق الشخصية الشبابية الصحية الواثقة التي نتحدث عنها هنا، والتي هي في الحقيقة أحد أهم أهدافنا الوطنية الحيوية، لابد من أن يشترك الجميع في تحمل هذه المسئولية. حيث أنه لم تعد مسئولية عملية تنمية الشباب محصورة بمؤسسات التربية الأولية والمتمثلة في الأسرة والمدرسة، ولكنها أصبحت في وقتنا الراهن، وخاصة مع التداخل المؤسسي الذي نعيشه، مسؤولية كل مؤسسات المجتمع وأفراده من دون استثناء.
لذا فإننا إذا ما نظرنا اليوم إلى مفهوم «تنمية الشباب» سنجد أنه مفهوم عام وشامل ويعبر عن عمليات نمو يمر بها كل شاب وهو يحاول تحقيق كافة حاجاته الشخصية والاجتماعية والمتمثلة أولا في الإحساس بالأمان والعناية والشعور بالأهمية والقيمة الإنسانية، ومن ثم تتطور إلى تنمية المهارات والكفاءات التي تمكنهم، أي الشباب، من المساهمة في حياتهم اليومية بشكل يعود بالنفع على أنفسهم وعلى مجتمعهم، وبالشكل الذي يشعرهم بقيمتهم وأهميتهم الإنسانية.
إن مفهوم تنمية الشباب يصف الخطوات التي يمر بها كل الشباب وهم يشكلون ذواتهم وشخصياتهم، وهي خطوات، كما يفترض، يساهم فيها الجميع، بدءا من الأسرة، وحتى المؤسسات المجتمعية بكافة تخصصاتها. فالشاب لن يستطيع أن يبني المهارات والكفاءات الأساسية أو أن يتمكن من الشعور بالأمان والعناية والأهمية.
وان يكون راسخاً قيمياً ودينياً إلا من خلال الدعم الذي تقدمه له أسرته ومجتمعه بكافة مستوياته. حيث إن هذا الدعم الأسري والمؤسسي الإيجابي هو نقطة المركز التي يظل الشاب في حاجة لها طوال فترة نموه وتحققه، والتي بدونها لن يكون نصيبه إلا الفشل أو المعاناة من الأمراض النفسية والمجتمعية المختلفة التي قد تعيق تحققه كبالغ في المستقبل.
إذاً، نستطيع القول ان عملية تنمية الشباب هي ذلك المزيج المتكون من البشر والأماكن والفرص والدعم، والخدمات التي جميعنا يعرف أن الشباب يحتاجها في فترة نموه لكي يكون شابا سعيدا يتمتع بالصحة النفسية والاجتماعية التي تؤهله للنجاح في مشروعه الوجودي.
باختصار، لتحقيق شخصية شبابية ناجحة يجب توفر ثلاثة عناصر أساسية: أولها الدعم، ويقصد به الدعم العاطفي والنفسي والاستراتيجي المؤهل للنجاح في مشروع الحياة، وقد يأخذ هذا الدعم أشكالاً عدة، وهذا ليس بمهم ولكن ما يهمنا هنا هو أن يكون هذا الدعم دعما ثابتا ومستمرا وقويا، وأن يقدم من قبل مختلف الفئات العاملة مع الشباب، سواء من أفراد الأسرة أو الأقرباء المقربين، أو من شبكة العلاقات الاجتماعية المرتبطة بالشباب، مثل علاقاته في الأندية أو مع المدرسين أو العاملين في مجال الشباب من المهنيين أو الموظفين، أو الأتراب أو الرفقاء.
ثانيا، توفير الفرص للشباب لتعلم كيفية التصرف مع العالم المحيط بهم، وللاكتشاف، والتعبير، والانتماء، والكسب، والتأثير فيما حولهم؛ حيث أن توفير مثل هذه الفرص تمنح الشباب المجال لاختبار الأفكار والسلوكيات وتجربة مختلف الأدوار التي قد يتمثلونها في حياتهم؛ ومن المهم هنا التأكيد على أن الشباب، كما هو الحال عند البالغين، يتعلمون بشكل أفضل من خلال المساهمة الفعالة في الأحداث التي تدور حولهم وليس فقط من خلال التلقي النظري.
العنصر الثالث والأخير هو جودة الخدمات المقدمة للشباب، سواء كانت خدمات تعليمية أو صحية أو وظيفية أو قانونية، ومن المهم أن تكون هذه الخدمات حاوية على تعليمات ومعلومات ذات صلة مباشرة بالخدمة المقدمة لهم، وأن تتوفر للشباب فيها فرصة المشاركة والتعبير عن أنفسهم ولعب الأدوار الجديدة المختلفة، والعمل بروح الفريق والجماعة.
مثال على ذلك، إشراك طلاب الثانوية العامة في عملية التدريس مع مدرسيهم، أو إشراكهم في إدارة المؤسسات المجتمعية مثل جمعيات النفع العام أو الجمعيات التطوعية المختلفة، وإعطائهم فرصة اتخاذ القرار. أيضا من المهم أن يكون مقدمو هذه الخدمات من البالغين الداعمين للشباب والمتفهمين والمقدرين لحاجاتهم وإمكانياتهم، والذين هم في نفس الوقت، قائمون بدور المرشد والمؤيد.
إحدى الدراسات التي قامت بها الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة الأميركية أشارت، في بعض نتائجها إلى أن الشباب الذي ينمو في المجتمعات المحلية الغنية بالبرامج والفرص التنموية المختلفة أقل عرضة للسلوكيات الانحرافية وأكثر إيجابية في تعاطيهم مع محيطهم.
كما أنهم يصبحون أكثر إنتاجا وإبداعا. دراسات أخرى في المجال نفسه أكدت في نتائجها على أن الشباب الذي تتوفر له برامج تنموية حقيقية، ينمو بشكل أفضل مقارنة بأقرانهم الذين لم تتوفر لهم مثل تلك البرامج. فعلى المستوى الذاتي، وكما أكدت تلك الدراسات، يكون الشاب الذي تتوفر له التجارب التنموية أكثر شعورا بقيمته الإنسانية وأكثر ثقة بنفسه.
كما يكون إحساسه بالأمان والتمكن والانتماء لمجتمعه وهويته أكبر بكثير من أقرانه الذين لم يحالفهم الحظ في توفر برامج تنموية مماثلة لهم. فضلا عن ذلك، يتمتع أولئك الشباب بإحساس المسئولية الاجتماعية والتوازن الروحي والنفسي. أما فيما يتعلق بمستوى القدرات فأولئك الشباب يتمتعون بالصحة الجسدية والعقلية والفكرية ويكونون أكثر مساهمة على المستوى المجتمعي والمدني.
إن تنمية الشباب ليست بالعملية العسيرة والمعقدة مادام هناك بشر مؤمنون بالشباب وبقدراتهم وبحقوقهم وما دامت هناك برامج ومؤسسات ونظام مجتمعي واعٍ ومؤهل ومستعد لتوفير الدعم والفرص اللازمة لتعزيز وتمكين الشباب. وبتحقق هذه الشروط تكون عملية تنمية الشباب مضمونة وميسرة ويكون بناؤنا المجتمعي أكثر تماسكا وإنتاجا، ليس فقط على المستوى الاقتصادي ولكن أيضا على المستوى الإنساني والروحي.
جامعة الامارات
Albahar2@gmail.com