لم يكن متوقعاً أن تصل الأمور في الساحة اللبنانية إلى ما وصلت إليه من تحولات سلبية وأحداث مؤلمة في سياق التباينات الداخلية بين مختلف القوى الفاعلة في لبنان، فإطلالات الحرب الأهلية الماضية التي امتدت بين سنوات 1975 إلى العام 1991عبرت عن نفسها الآن في مشاهد مؤلمة قبل أيام وفي الأحداث الأخيرة، حيث المظاهر المسلحة وانتشار المسلحين فوق الشرفات والأبنية والاعتداء على الممتلكات العامة وحرق السيارات في الشوارع وسقوط الضحايا من الأبرياء بالرصاص اللبناني اللبناني.

فالذاكرة اللبنانية تغص بالمشاهد المؤلمة في مسار طويل من الفواجع الداخلية، فالشعب اللبناني الذي تلوع بالحرب الأهلية الداخلية ودفع ثمنها الباهظ من الدمار الداخلي في البلد وسقوط آلاف الضحايا من أبنائه يعيش الآن أجواء القلق ذاتها خوفاً من تجارب الماضي الأليمة، خصوصاً وأن هناك العديد من القوى الخارجية التي تعبث بالساحة اللبنانية لها حساباتها الخاصة بعيداً عن حسابات الشعب اللبناني، وتحاول إدامة الفوضى من العراق إلى فلسطين إلى لبنان وعموم الشرق الأوسط.

وانطلاقاً من المؤشرات القائمة راهناً على الأرض في لبنان وحالة التذمر الشعبي الرافضة لمنطق الاقتتال والتطاحن اللامسؤول فان قولاً واحداً يعبر عن صراخ الناس والشارع اللبناني وصراخ الغالبية التي قاتلت قوات الاحتلال خلال الحرب الأخيرة يمكن الاستناد إليه على أساس من الاستماع إلى نبض الناس وشعورها وإحساسها بمخاطر ما يجري.

وانطلاقاً من وعيها لضرورات الحوار العقلاني بين مختلف الأطراف والقبول بمنطق التشارك الوطني، وإلا فان سيف القطيعة بين أطراف المعادلة اللبنانية لن يولد سوى الكوارث في بلد لا يحتمل المزيد من الكوارث وعمليات الاستخدام الخارجي.

وفي هذا السياق يمكن القول بأن إعادة صياغة وتشكيل حكومة توافق وطني، والإسراع نحو تهدئة الخواطر والإعداد للانتخابات النيابية القادمة، عناوين ضرورية لابد من الإمساك بها في سياق تفكيك ملفات الأزمات الداخلية اللبنانية التي توالدت مسرعة منذ استشهاد رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري وسلسلة الاغتيالات التي طالت عدداً من الشخصيات الوطنية اللبنانية.

وفي هذا السياق فان لغة القطيعة التي تطلقها بعض الأطراف اللبنانية تجاه العلاقة مع الشقيق التاريخي القومي والوطني و «السيامي التوأم» الدمشقي لا تنفع أيضاً وتصب في مجرى التوتير وتوسيع دائرة الأزمات في لبنان. فدمشق لها من الحضور والتأثير في لبنان أضعاف ما لغيرها انطلاقاً من الشراكة التاريخية والوطنية والبشرية العائلية.

وعليه فان تهدئة الخطاب السياسي مع دمشق ووقف خطاب الردح السياسي وإحلال الخطاب العقلاني تجاه العلاقة مع دمشق يشكل أيضاً مفتاحاً من مفاتيح إنهاء الأزمات اللبنانية ويحول دون الاستغلال الخارجي للتباينات التي وقعت بين بعض الأطراف اللبنانية وسورية.

لقد مرت الأيام الماضية على بيروت ولبنان بشكل عام بصعوبة بالغة، وعاملا القلق والخوف مازالا يسيطران على الأجواء الداخلية وعلى أجواء الحريصين على لبنان ووحدته الوطنية كشعب واحد موحد ينتمي إلى الأمة العربية وأبناء بلاد الشام. وكل متتبع لمسار الأزمات اللبنانية عبر العقود الأربعة الماضية يلحظ بوضوح القول إياه بعد أن كان البعض يعتقد بإمكانية تفكيك وحدة لبنان وتقسيم المقسم فيه، وتحويله إلى بؤرة استنزاف في الخاصرة السورية والفلسطينية والعربية بشكل عام.

وفي هذا الإطار فان خطاب السيد حسن نصر الله، يتميز بثوابته المعروفة، الرافضة لأي شكل من أشكال الصراعات الداخلية، خصوصاً وأن حزب الله إلى جانب مجموعة «تيار المستقبل» يكاد يكون الطرف الوحيد في لبنان الذي لم ينغمس في الحروب الداخلية، ولم يأت أساساً من وراء متاريس شوارع بيروت كما جاءت ميليشيات الحرب الأهلية اللبنانية برموزها وشخصياتها التي دوخت لبنان في الحروب العبثية.

وعليه، فإن صيانة وحدة لبنان، وكف يد التدخلات الخارجية المشبوهة، والتوصل إلى توافق لبناني ـ لبناني داخلي بات الآن على أبواب مرحلة حاسمة في سياق ما يجري في الشرق الأوسط من العراق إلى فلسطين. كما بات يحمل أهمية استثنائية حماية للوطن اللبناني قبل أن تعصف به رياح السموم الهوجاء كما عصفت به أكثر من مرة عبر العقود الأربع الماضية.

وحتى لا نبقى في ساحة التشاؤم، نقول بقي لبنان موحداً طوال أزماته الماضية، وتالياً لن يستطع أي طرف أن ينسلخ عن جلده مهما تعقدت الظروف، لكن بكل الحالات لنحافظ على مساحة الأمل بروح حريصة لا تغرق في شبر الماء.

كاتب فلسطيني ـ دمشق