ما جاء في البيان المشترك، الصادر عن «اللجنة الرباعية»، التي اجتمعت يوم الجمعة الماضي في واشنطن؛ يحمل على التساؤل عن مغزى اللقاء أصلاً. لماذا تكبد المجتمعون، وزراء خارجية الرباعية، عناء السفر إلى العاصمة الأميركية وحرقوا وقتهم للخروج بمثل هذا البيان؟

ألم يكن بوسعهم استصدار هذا الأخير باسم اللجنة، من دون أن تلتقي؟ فما احتواه لا يستحق الضجة التي رافقت هذا الحدث؛ قبل وبعد حصوله، خاصة وأن الاستعدادات التي سبقته أوحت ـ أو ربما أريد لها أن توحي ـ بأن هناك نوايا ورغبات وربما عزم هذه المرة، «لإحياء» عملية السلام.

ترددت إشاعات وتكهنات بأن قناعات جديدة طرأت بفعل التطورات على الساحتين الفلسطينية والإقليمية، وفرضت الالتفات بعزم وجدية إلى الملف الفلسطيني في هذه اللحظة، ورافق ذلك كلام عن وجود رغبة لتسريع التحرك بهدف تحقيق «اختراق» نحو تسوية تقوم على ترجمة فكرة الدولتين، وثمة من تحدث عن أن لقاء «الرباعية» هذا، ربما كان بمثابة «منصة انطلاق» لتحريك عملية السلام وتزخيمها بمبادرات «جذرية»، كي يتم وضعها على طريق التنفيذ.

بيان الاجتماع بدد كل هذه الآمال ـ أو الأوهام ووضع الأمور في نصابها؛ وكشف عن أنه لم يكن سوى «عراضة» شكلية؛ للتذكير بوجود اللجنة، أو ربما لإعلان عدم صلاحيتها بصورة ضمنية بعد الآن، أو قد يكون لإعلان وفاتها «إكلينيكياً»؛ باعتبارها باتت عديمة الجدوى، وإلا ما معنى أن يتم تدبيج البيان بعبارات مكرورة، فقدت معناها من زمن وصارت تدل، إن دلت على شيء، فقط على خلاف ما تعنيه في أصلها؟

الظرف الذي تمر به القضية الفلسطينية من كافة جوانبها هو ظرف خطير ومصيري، والمفترض أن يأتي التعامل معها، إذا توفرت الجدية والنية الحاسمة بلغة تتناسب مع هكذا توجه وتكون خالية من أي التباس حول العزم على الحسم، لكن تأتي الصياغة بلغة «تعهدت» اللجنة و«حثت» و«أكدت» و«رحبت» و«أبرزت» و«أبدت» أو «أعربت»؛ من دون أن يتصل أي واحد من هذه الأفعال بخطوات عملية لترجمة «عملية السلام»؛ عندئذ يكون المشهد أشبه بطاحونة الهواء.

فأن تتعهد اللجنة بمتابعة الاتصالات الفلسطينية ـ الإسرائيلية؛ وتكتفي بحثهما على تطبيق الخطوات المتفق عليها؛ مع التأكيد على أهمية «خريطة الطريق» والترحيب بجهود واشنطن؛ ناهيك عن إبراز أهمية «مبادرة السلام العربية»؛ فإن كل ذلك لا يتعدى محاولة «تفسير الماء بعد الجهد بالماء».

المبرر الوحيد، على ما يبدو لعقد الاجتماع كان إبلاغ اللجنة بما تنوي طرحه واشنطن خلال اللقاء الثلاثي، رايس ـ عباس ـ أولمرت، أواسط فبراير الجاري، فليس صدفة أن تتصدر البيان عبارة «تأييد اللجنة» لمثل هذا اللقاء المرتقب لكن ذلك، على خوائه، فيه درس أو بالأحرى توكيد على درس قديم ـ جديد؛ برسم الجانب الفلسطيني.

وهو درس له وجهان: دعم الخارج لا يأتي إلا على قاعدة تماسك الداخل ـ إن الفتنة الانتحارية الجارية فصولها على الساحة الفلسطينية المنكوبة، بحالها وباحتلالها، تصب في تمكين واشنطن واستطراداً تل أبيب من تكريس وترسيخ استفرادها واستباحتها لهذه الساحة، بل هي هدية على طبق من فضة للاحتلال ومشاريعه، وفي هذه الحال يقضي الإنصاف عدم وضع الملامة على الرباعية، فلماذا عليها أن تكون ملكية أكثر من الملك؟