يبدو أن الأشقاء الفلسطينيين قد انتهوا من معاركهم مع إسرائيل، وباتت دولتهم الحرة المستقلة قائمة، فتفرغوا للاقتتال الداخلي والصراع السافر المعبد بدم الإخوة، على مناصب ومكاسب هي في الواقع أشبه بالسراب في صحراء قاحلة.

نسي الرفاق في فتح والإخوة في حماس أن الاحتلال لا يزال يجثم، ويحكم قبضته على كل الأراضي الفلسطينية، التي يستبيح من وقت لآخر حرمتها، ليقتل الرضع والنساء والشيوخ، فيما البنادق الفلسطينية تفقد نقطة تصويبها الصحيحة، وتضل وجهتها، لتنغمس في حرب مجنونة، وتحقيق أهداف ما كانت إسرائيل لتجني ثمارها وان احتلت كل بيت فلسطيني.

ظل الإخوة في الفصائل الفلسطينية والناطقون بأسمائها على اختلافها يؤكدون للقاصي والداني أن الدم الفلسطيني «خط أحمر» لا يمكن تجاوزه أو المساس به، لكن يبدو أن هذا الخط المحرم الذي تحدثوا عنه، مجرد خط وهمي لا علاقة له بالخطوط والحواجز التي اعتقدنا أنهم فعلا لن يقتربوا منها تحت أي مبرر أو ذريعة.

ربما يرى الإخوة في حماس أنهم أصحاب حق، بعد أن جاءوا بانتخابات ديمقراطية إلى مقعد السلطة، وقد يعتبر أبناء فتح أن وراءهم تجربة طويلة من النضال، تعطيهم حق إملاء وجهة نظرهم في المسيرة الفلسطينية، لكن أيا من الفريقين لا يحق له المشي فوق جثث أشقائهم والأبرياء من شعبهم الذين عرى الصراع والتناحر صدورهم، وأصبحت ظهورهم مكشوفة أمام عدو لا يرحم.

الدخول في دائرة مفرغة، عمن المسؤول ومن على حق، ومن يقف في المكان الخطأ، لا يمكن أن تكون حجة لاستمرار الاقتتال العبثي الذي نراه بالصوت والصورة على شاشات الفضائيات وكأننا نشاهد لعبة للحرب التي يتلهى بها الصغار على أجهزة الفيديو.

ما نراه من لحم ودم حقيقي، لحم فلسطيني مستباح منذ عشرات السنين على يد أعدائه، لكن الدم المراق اليوم، للأسف الشديد، بيد الإخوة والأشقاء، وهو ما يجعلنا نستصرخ الجميع أن كفوا عن هذه اللوثة وهذا الجنون، فلعبة الصراع على الكراسي والمناصب الوهمية، لا تستحق سطرا سلبيا واحدا في كتاب التاريخ، يشير بأصابع الاتهام إلى هذا الفريق أو ذاك باعتباره المسؤول عن ضياع أحلام شعب في الحرية والاستقلال.

كيف يتعاطف الآخرون مع الفلسطينيين الذين يعانون الأمرين على يد الاحتلال الإسرائيلي، وهم يتابعون لعبة الدم المجنونة التي تدور رحاها في غزة والضفة الغربية؟ وكيف يمكن لنشطاء السلام الدوليين أن يتحركوا للدفاع عن الحق الفلسطيني، وهم يرون كيف ذهبت تضحيات بعضهم بروحه، وقد تبخرت فوق ارض تتربص فيها فتح بعناصر حماس والعكس صحيح.

نحن أمام مشهد اقل ما يوصف بأنه مشين، وتشويه لمسيرة نضال ظلت ناصعة منذ قبل النكبة وما بعدها، واليوم تعلو الشوائب التي نتمنى أن تكون سحابة صيف عابرة كما يقول البعض، أو صفحة سوداء يمكن أن نسقطها من السجل، باعتبارها ورقة ذابلة من شجرة ستظل وارفة، لا تعرف سوى منح الثمار الناضجة، والظلال التي تقي أصحابها قيظ الحر ومطر الشتاء.

لا نريد سماع المبررات عما يجري، لأنه لا يمكن قبول الأعذار عن إراقة الدماء الزكية، على قارعة الطرقات، من اجل سلطة وهمية زائلة، ومقاعد لو تأملناها قليلا لوجدناها معلقة في الفراغ.

الشعب الفلسطيني لن يجد من يقف إلى جواره ومساندة مسيرته إذا لم يوقف قادة فصائله التشاحن والبغضاء، والالتقاء على خطوط عريضة تحفظ للأجيال حقها في الوصول إلى بر الأمان، وتجاوز هذه الأوقات العصيبة الملبدة بالغيوم السود، فليس من حق أحد أن يصادر على المستقبل بخطف المسيرة إلى الأزقة والحواري الجانبية التي لا تصب إلا في مصلحة الأعداء.

نريد للعقل أن يسترد دوره، وان يعي الجميع أن تحرير الأوطان، شرف لا يناله إلا المخلصون الذين لا تحيد بوصلتهم، عن استهداف عدوهم الحقيقي، مهما تبدلت الأيام وتغيرت الظروف.