ظاهرة مهمة تبلورت مؤخراً قوامها انطلاق الصراع العلني والمباشر بين واشنطن وطهران حول العراق. الأولى تعلن أنها ستعمل على احتواء الثانية في العراق وإخراجها منه والثانية بلسان سفيرها في الأمم المتحدة تؤكد أنها ستعزز علاقاتها الاقتصادية والعسكرية مع العراق. ليس جديدا ان كل طرف موجود بقوة في العراق وقد جاءا معا لا بل ان طهران جاءت مع واشنطن إلى بغداد.

وليس بجديد ان كل منهما يحاول تسجيل نقاط على الآخر في الملعب العراقي، ولكن الجديد انتهاء مرحلة التعايش القائم على التفاهم الصامت بينهما وانتهاء الحياد السلبي الذي طبع العلاقات بينهما في العراق منذ عام 2003.الحرب الباردة التي تزداد اشتعالا بين الطرفين كما يدل على ذلك خطاب كل منهما والحرب بالواسطة القائمة بينهما في مجمل مسائل وقضايا المنطقة المشتعلة تزيد هذه المسائل اشتعالا وتعقيدا واستحالة تسويتها أحيانا، هذه الحرب وصلت أخيرا بقوة إلى بغداد.

بغداد التي وللمفارقة صارت مصدر الهم والوهن والارتباك الأميركي ورمزا له ومصدر القوة والاعتزاز بوهج الانتصار الإيراني ولو انه بدأ كانتصار بالواسطة. واشنطن اليوم تعتبر انه لا بد من تعديل علاقاتها البغدادية مع إيران لتعديل صورتها ومكانتها أمام أصدقائها وحلفائها وخصومها الإقليميين. يقول أصدقاء واشنطن في المنطقة انهم حذروها مرارا من مخاطر سياستها العراقية بعد اسقاط النظام في بغداد وتداعيات تلك السياسة على العراق وعلى المنطقة.

ولم تستمع واشنطن لهم. وتقول هذه الأخيرة ان أصدقاءها لم يساعدوها بالقدر المطلوب لإحداث التوازن الضروري مع طهران في العراق. وفي ظل هذه الاتهامات المتبادلة وترحيل المسؤولية على الآخر يحاول كل من الطرفين وحيدا حينا وبالتعاون أحيانا وقد بدأت ملامح هذا التعاون الخجول بالظهور عبر رسائل إقليمية وداخلية متعددة، في الحد من الخسائر ومحاولة احتواء التمدد الإيراني في بغداد ولو ان هذه السياسة جاءت متأخرة جدا بالنسبة لهما.

في ظل احتدام الصراع بين القوتين الفائقتين الدولية والإقليمية تبرز عدة سمات متشابهة بينهما:

أولا، توقيت سياسة التصعيد ضد الآخر عند كل من الطرفين وكأنهما يشعران انهما وصلا إلى ربع الساعة الأخير قبل منتصف الليل او مفترق الطرق بين احتمالات مختلفة لحسم معركة مستقبل الشرق الأوسط. ثانيا، التشابه بين حال الرئيسين بوش واحمدي نجاد فهما كما تذكر عالمة الاجتماع الإيرانية مسيرات امير إبراهيمي شخصيتان شعبويتان متدينتان تركزان دائما على هاتين الصفتين ويتميز خطاب كل منهما بمسحة كبيرة من الخلاصية.

وقد شخصن كل منهما المسألة النووية في علاقاته مع الآخر. ثالثا، كل من الرئيسين يبدو في حالة ضعف مع ازدياد المعارضة له وسهام الانتقادات التي تطلق عليه من جهات مختلفة ومنهم من أهل بيته فيما يتعلق بسياساته عامة الخارجية منها والداخلية. رابعا، محاولة كل من الرئيسين الالتفاف على مشاكله من خلال التركيز على الآخر وسياساته والاعتبار ان الانتصار على الآخر شرط أساسي لتحقيق الأهداف الكبرى التي يحملها خطابه ويفترض ان تعبر عنها سياساته.

خامسا، يعيش كل من الطرفين ما يمكن وصفه ببداية سقوط الأحادية او ذاك الشعور بالقوة الفائقة التي تميز وضعه في المنطقة. فالعراق اثبت وجود قيود عديدة على تحقيق الأهداف التي حملها الخطاب الأميركي وبالأخص على استراتيجية أمركة المنطقة وفلسطين أيضا جاءت لتزيد من القدرة على مقاومة وإفشال هذه الأحادية الأميركية.

وبالنسبة لإيران فلا تكفي محاولات إقامة تحالفات دولية ذات طابع إعلامي وعقائدي في الحديقة الخلفية لواشنطن في أميركا اللاتينية مع فنزويلا ونيكاراغوا والاكوادور والاكتفاء بالاستفادة من الانسدادات الحاصلة في الملفات الأساسية في المنطقة بسبب السياسة الأميركية في بعض الحالات واللا سياسة في حالات أخرى مثل الحالة الفلسطينية لا يكفي ذلك لبناء دور القوة العظمى الإقليمية.

كما لا تكفي السياسة الفلسطينية لطهران في ظل الأوضاع الفلسطينية المنهارة لتكريس ذاته كالقطب الأساسي والمرجعي في العالم العربي، بل ان صورة إيران صارت تحددها أكثر في هذه المنطقة وعلى المستوى المجتمعي الحالة العراقية.

أمام هذه السمات وعشية موعدين أساسيين قد يشكلان مفصلا في صياغة العلاقات الصراعية بين طهران وواشنطن اولهما ذكرى الثورة الإسلامية في 11 فبراير وإعلان إيران انها ستقدم سيمفونية نووية في هذه المناسبة مع ما يحمله ذلك من مؤشر حول إعلان ما سيصدر من طهران في هذه المناسبة في الذكرى الثامنة والعشرين للثورة حول البرنامج النووي الإيراني.

وثانيهما التقرير المنتظر ان يقدمه المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في الأسبوع الأخير من فبراير حول تنفيذ قرار مجلس الأمن 1737 بشأن النشاطات النووية الإيرانية والذي بناء على هذا التقرير لا بد لمجلس الأمن من ان يتحرك مجددا باتجاه طهران. عشية هذين الموعدين الاستحقاقين وفي وقت تجد واشنطن فيه صعوبة كبرى في جر حلفائها الأوروبيين إلى فرض مزيد من العقوبات على إيران وفي وقت يزداد فيه مستوى التوتر والتعبئة في واشنطن ضد إيران والتحذير .

كما يقول بعض المحافظين الجدد، من أن ما هو اسوأ من الحرب مع إيران تحول هذه الأخيرة إلى قوة نووية، الأمر الذي سيسمح لها بأن تفرض هيمنتها بشكل سلمي في الخليج وفي الشرق الأوسط عبر ما يسميه البعض في واشنطن (بالفنلندة) وهو التعبير الذي يستحضر من الحرب الباردة والذي يرمز إلى العلاقات التي كانت تربط فنلندا بالاتحاد السوفييتي والتي كانت تقوم على التكيف الكلي المسبق من طرف فنلندا مع السياسات السوفييتية خوفا من الجار الكبير وحفاظا على سلامتها.

ولكن رغم التخويف من هذا السيناريو يبقى سيناريو الحرب واعدا بالفوضى والدمار في المنطقة وبالتالي مستبعدا ولو أن سياسة عرض العضلات العسكرية الأميركية في مياه الخليج مستمرة مع قدوم حاملة طائرات ثانية إلى المنطقة وتصريح مسؤول أميركي كبير بأن واشنطن صارت قادرة على القيام بهجوم جوي لفترة 24 ساعة في اليوم أي بشكل مستمر وطيلة ثلاثين إلى أربعين يوما على الأقل، أمام هذا التصعيد الردعي وضمن ما يبدو انه سياسة احتواء ناشط ومباشر نحو إيران أخذت تلجأ إليها واشنطن.

وفي ظل اشتداد لعبة محاولة تشليح الآخر إحدى أوراقه الأساسية سواء في فلسطين او لبنان أو ربما العراق بغية تعديل ميزان القوى لمصلحته وهي لعبة يقوم بها الطرفان، في ظل هذه الأجواء المتوترة، يبدو ان خيار الحرب يبقى مستحيلا وان التسوية.

كما يراها كل طرف قد لا تكون ممكنة بعد في ظل التوازن المتحرك الحاصل حاليا، الأمر الذي يدفع إلى ما نراه من سياسة حافة الهاوية، هنا وهناك، اذ يحاول كل طرف تعديل موازين القوى لمصلحته لإنتاج أفضل توازن رادع او توازن رعب يستفيد منه عندما يأتي زمن التفاوض الجدي والمباشر والذي سيحدد دون شك مستقبل الشرق الأوسط برمته، والذي قد ينتظر إلى ما بعد ادارة بوش. ولكن يبقى السؤال قائما حول كيفية ادارة فترة الانتظار دون حصول الانفجار.

كاتب لبناني