تغيرت لغة الرئيس الأميركي جوج بوش تجاه أزمته في العراق. بالطبع لا يريد الرئيس الأميركي أن يعترف بالهزيمة، وهو لا يستطيع ذلك في الوقت الذي يطلب فيه إرسال أعداد إضافية من الجنود الأميركيين إلى العراق ويحاول التغلب على جهود الكونغرس بأغلبيته الديمقراطية لعرقلة هذه الخطوة والدفع في طريق بدء الانسحاب من العراق، لا يتحدث الرئيس الأميركي ـ حتى الآن ـ عن الهزيمة في العراق لأن معنى اعترافه أن يترك مكانه في البيت الأبيض بعد أن تدنت شعبيته إلى الحضيض،.
وبعد أن ترجمت نتائج انتخابات الكونغرس رفض الشعب الأميركي لاستمرار حربه في العراق، ولكن الرئيس الأميركي لم يعد يتحدث عن «النصر» الذي يحققه في العراق والذي تبين للشعب الأميركي انه مجرد «أكذوبة» دفع ثمنها أكثر من ثلاثة آلاف قتيل حتى الآن (وفقاً للإحصاءات الرسمية) وما يقرب من أربعمائة مليار دولار من ميزانية تعاني من أكبر عجز مالي في التاريخ.
وفي خطاب الاتحاد السنوي الأخير اقر الرئيس الأميركي بأن الأميركيين «قد وقعوا في شرك العنف الطائفي في العراق»، وبأنهم يجدون أنفسهم في قلب «معركة (طائفية) ليست هي المعركة التي جئنا أصلا لنخوضها في العراق»!!
وبالطبع لا يقر الرئيس الأميركي بأن «المعركة التي جاء أصلا ليخوضها في العراق» كانت معركة غير مبررة وغير قانونية، ولا يعترف بأنه خدع شعبه وزيف الحقائق أمام العالم ليقول إنه يخوض الحرب من أجل منع العراق من استخدام «أسلحة دمار شامل» كان يعلم باليقين أنها غير موجودة، ثم بمحاولة الربط بين النظام السابق في العراق وبين تنظيم «القاعدة» وتقديم غزو العراق على أنه جزء من الحرب ضد الإرهاب، بينما أجهزة مخابراته تعلم باليقين أنه لا وجود لمثل هذه العلاقة بين القاعدة والنظام السابق في بغداد، ولا علاقة لهذا النظام بأحداث 11 سبتمبر من قريب أو بعيد.
لا يقر الرئيس الأميركي بأنه خدع شعبه لأنه يعرف مصيره حين يعترف بذلك، ولأن مثل هذا الاعتراف يكشف حقيقة المخطط الذي وضعته العصابة اليمينية الصهيونية التي سيطرت علي إدارته وحددت تدمير العراق ضمن أهدافها الأولى (قبل أحداث 11 سبتمبر) خدمة لإسرائيل أولاً وأخيراً.
ويتواصل الإدمان علي تزييف الحقائق حين يقول الرئيس جورج بوش إن «الأميركيين وقعوا في شرك العنف الطائفي في العراق|، فالرئيس الأميركي يعلم جيداً أن العراقيين هم الذين وقعوا في شرك العنف الطائفي الذي نصبته الإدارة اليمينية الصهيونية التي قادت الحرب غير المشروعة على العراق والتي خططت من البداية للعنف الطائفي سبيلاً لتقسيم العراق.
اليمين الصهيوني الذي دبر للحرب على العراق هو الذي اتخذ من بعض الشخصيات العراقية عملاء ومرشدين لمخططاته في العراق، وهو الذي انطلق من تصور زائف بأن العنف الذي تواجهه الولايات المتحدة من «القاعدة» و«طالبان» هو عنف سني، وأن الاستعانة بالشيعة في مواجهته ستتيح الفرصة لإقامة حكم صديق في العراق ولشد أزر المعتدلين في إيران .
وإنهاء التوتر في العلاقات بين طهران وواشنطن، وكان يدعم هذا التصور الزائف موقف اتخذته طهران عقب أحداث سبتمبر انطلاقاَ من مصالحها ورؤيتها الخاصة التي ترى في «طالبان» و«القاعدة» خصوماً تقليديين لها، والتي ترى في إسقاط نظام صدام ثأراً مطلوباً للحرب التي شنها عليها.
وهكذا دخلت قوات الغزو الأميركية العراق ودخلت معها الميليشيات «الشيعية» التي كانت تجد المساعدة من طهران وهي تعارض نظام صدام وتسعى لإسقاطه. وهكذا بدأت إدارة الاحتلال في تفكيك «الدولة» في العراق ولم تكتف بإسقاط «النظام». وهكذا تم تصوير نظام صدام العلماني على أنه يمثل سيطرة «السنة» التي يجب أن تدفع ثمن أخطاء النظام.
ثم، بإصرار أميركي كامل بدأت سلطات الاحتلال في تكريس أركان نظام طائفي كامل، ورفض الحاكم الأميركي للعراق بعد الاحتلال كل محاولات بناء نظام على أساس تمثيل المحافظات والأقاليم ،و أصر على نظام «محاصصة» طائفية أعطت الكلمة الأساسية للمراجع الدينية لا السياسية.
ومنحت الميليشيات الطائفية حق تمثيل طوائفها، وفتحت الباب أمام تقسيم العراق على أسس طائفية مع التمهيد لذلك بحملات تطهير عرقي تمت وفقاً للتقارير الدولية والأميركية نفسها «بتواطؤ أجهزة الأمن الحكومية أو بمشاركتها»!! لم يقع الأميركيون في شرك العنف الطائفي في العراق كما يقول الرئيس بوش في خطاب الاتحاد الأخير، بل هم الذين أوقعوا العراق، ويوشكون أن يوقعوا المنطقة كلها في هذا الشرك!
ولم يكن هذا عن طريق الخطأ غير المقصود، بل كان خطأ متعمداً أو سياسة موضوعة سلفاً، وإن كان الأمر قد خرج عن نطاق السيطرة التي كانت العصابة اليمينية الصهيونية في واشنطن تتصور أنها قادرة على الإمساك بخيوطها في ظل غرور القوة الذي أصابها فلم تتصور أن لهذه القوة ـ مهما كان حجمها ـ حدوداً ينبغي أن تراعيها، وإلا صدمها الواقع المرير بكل قسوته، كما حدث لأميركا في العراق ولإسرائيل في لبنان.
الآن وقع العراق أو أوقع به في شرك الحرب الطائفية، والقتل على الهوية. والجهود من أجل إبعاد السنة عن محافظات الجنوب لا تتوقف، والمعركة الآن حول «التطهير» الطائفي تدور في أحياء بغداد. وبوش يكتفي بالتأكيد على أنها «ليست المعركة التي جئنا لنخوضها في العراق».
لكن الأخطر من ذلك انه بدلا من تحمل مسؤولية ما حدث ويحدث في العراق على يد الاحتلال الأميركي وبرعايته، يصبح التبرير الذي تحاول الإدارة الأميركية ترويجه هو أنه «نزاع يعود تاريخه لأكثر من ألف سنة»، وهو تبرير يفتح جراحاً كانت قد اندملت، ويمهد الطريق لنشر الفتنه في العالمين العربي والإسلامي، وبصورة قد لا نتصور الآن المدى الذي يمكن أن تصل إليه.
أمام الرئيس الأميركي بضعة شهور لاختبار إستراتيجيته الجيدة. وأغلب الظن أنه سيصل في النهاية إلى نقطة توافق مع الكونغرس الأميركي بأغلبيته الديمقراطية على أن ضخ المزيد من القوة العسكرية الأميركية في العراق هو تمهيد للانسحاب المنظم منه، بالصورة التي لا تؤدي إلى إسقاط الرئيس الأميركي قبل نهاية ولايته، ولكن ماذا سيترك وراءه في العراق وفي المنطقة؟ سيترك المعركة التي يقول، إنه لم يأت أصلا ليخوضها، والتي سيتركنا نخوضها بدلا عنه، تحقيقاً للمصالح الإسرائيلية قبل الأميركية!!
إن الصراع في الولايات المتحدة الأميركية يدور حول ما يحقق المصلحة الأميركية، أما مصلحة العراق ومصلحة العرب فهي آخر ما يمكن أن يشغل بال واشنطن. والكونغرس «الديمقراطي« أكثر انحيازا لإسرائيل من الإدارة الأميركية التي لم يسبق لإدارة أميركية أن انحاز ت لإسرائيل مثلما فعلت!!
وإذا كان الرئيس الأميركي يحذر من أن «الفشل» الأميركي في العراق سيؤدي إلى كارثة، فإنه لا يفعل ذلك حرصاً على مصلحة عراقية أو عربية، ولكنه يريد الدعم العربي الذي يساعده على تفادي الهزيمة في العراق، ويريد التعاون العربي الذي يضمن تحقيق أهداف السياسة الأميركية والتي لا تخرج عن أمرين: أمن إسرائيل أولا، وتأمين البترول ثانيا.
أما النجاة من شرك الحروب الطائفية فهي مسؤوليتنا نحن قبل أن تكون مسؤولية الآخرين. ولن اكرر هنا ما قلته مراراً وتكراراً عن الغياب العربي، وإنما سأكتفي بأن أتوقف عند رسالة ممثل الجامعة العربية في بغداد «مختار لماني« الذي أعلن فيها انسحابه من مهمته والتي بعث بها إلى أمين الجامعة قبل أيام .
مؤكداً على «الغياب التام لأي رؤية عربية متماسكة وجادة في معالجة الموضوع العراقي. بل انعدام حتى الوعي بضرورة هذه الرؤية بأبعادها السياسية والأمنية وإعادة البناء، والاكتفاء لدى البعض أحيانا بالانجرار إلى مواقف ترقيعية ومن منطلقات ضيقة لا تضع بالأساس ولا بالضرورة المصلحة العليا للشعب العراقي وإنهاء محنته».
أغلب الظن إن الذين لم يستمعوا لصرخات 700 ألف ضحية من شعب العراق سقطوا منذ الغزو الأميركي لن تقلقهم صرخة الأخ «لماني» ولكن ألا يقلقهم «تهديد» الرئيس الأميركي نفسه بأن «العنف الطائفي» في العراقي سيمتد إلى باقي المنطقة؟ وهل يتصورون أن مؤتمرات تعقد ليتبادل فيها علماء السنة والشيعة الاتهامات سوف تجدي شيئاً؟ أم أن الوقت قد حان لرؤية عربية متماسكة وجادة هي وحدها القادرة علي ضم السنة والشيعة العرب في العراق وفي كل البلاد العربية في سبيكة واحدة لا ولاء لها إلا لوطنها ولا انتماء لها إلا لعروبتها؟!
نقيب الصحافيين المصريين