قبل مطالبة الدول الإسلامية «بالتقدم بمبادرة جديدة لحل الصراعات والعنف في الشرق الأوسط» فإن الرئيس الباكستاني ومضيفه الرئيس الاندونيسي مطالبان بأن يفسرا لشعوب العالم الإسلامي تحالفهما مع الولايات المتحدة في «الحرب على الإرهاب». وقبل ذلك بالطبع فإنهما مطالبان بتعريف محدد وقاطع للإرهاب.

ورغم أن إدارة الرئيس بوش تمتنع عن إصدار تعريف للإرهاب إلا أن تحركها العملي الراهن في منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي عموماً لا يترك زيادة لمستزيد لإدراك معنى وهدف «الحرب الأميركية على الإرهاب»، فالمعنى والهدف ينطلقان من التزام أميركي ثابت بحماية إسرائيل ومواصلة دعمها بكل وسائل القوة المادية والمعنوية لضمان بقائها القوة الإقليمية العظمى في الشرق الأوسط.

ليس بوسع أي زعيم لأية دولة إسلامية أن يدعي عدم معرفة القاسم المشترك بين البؤر المتأزمة في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. فجميعها بؤر ناشئة عن تدخل أميركي عدواني لصالح الدولة اليهودية، ففصائل المقاومة الوطنية في فلسطين و«حزب الله» في لبنان والمقاومة الوطنية في العراق وحركة طالبان في أفغانستان كلها تنظيمات «إرهابية» من منظور الولايات المتحدة تهدد أمن إسرائيل بصورة مباشرة أو غير مباشرة.. على المدى المباشر أو المدى البعيد.

يضاف إلى ذلك ان سوريا دولة «إرهابية» أيضاً لأنها أولاً ترفض التنازل عن أرض الجولان الاستراتيجية الواقعة تحت احتلال إسرائيل.. وثانياً لأنها تستضيف وترعى منظمات فلسطينية تعتنق مبدأ المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي.

هذه هي الخلفية التي ينبغي ان نتساءل انطلاقا منها عن طبيعة «المبادرة الجديدة» التي يبشر بها الرئيس الباكستاني برويز مشرف ورفيقه الرئيس الاندونيسي سوسيلو بامبانغ.

في مؤتمر صحافي خلال زيارته للعاصمة الاندونيسية جاكرتا تحدث فيه أيضاً مضيفه الاندونيسي قال الرئيس مشرف: استعرضنا الاضطرابات في فلسطين والعراق ولبنان وأفغانستان واتفقنا في الرأي على الحاجة إلى مبادرة جديدة.

انها اذن فكرة أولية وليست مشروعاً مفصلاً، ولكن حتى على مستوى الفكرة الأولية يبدو ان هناك توجها محددا سلفا. فالرئيس الباكستاني يقول انه سينقل الفكرة إلى الدول الإسلامية ذات «التفكير الواحد».

ورغم غموض عبارة «التفكير الواحد» إلا أننا لا نذهب بعيداً إذا قلنا ان المقصود بذلك هو تلك الدول الإسلامية المتحالفة مع الولايات المتحدة في سياق «الحرب على الإرهاب».

وإذن فإن السؤال الذي ينبغي ان يطرح هو: إلى أي مدى يتفق الرئيسان الباكستاني والاندونيسي مع الرؤية الأميركية التي تدمغ بالإرهاب المنظمات النضالية الإسلامية التي تناهض الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين ولبنان وسوريا والاحتلال الأميركي في العراق وأفغانستان؟

الإجابة عن هذا التساؤل ينطق بها الواقع المرئي. فالنظام الحاكم في كل من باكستان واندونيسيا ليس لديه أولوية أمنية عليا سوى العمل على تصفية التنظيمات الإسلامية المحلية المؤيدة لحركات النضال الوطني الفلسطينية واللبنانية والعراقية والأفغانية.

«المبادرة الجديدة» هي حتى على مستوى الفكرة الأولية تفتقر ابتداء إلى أي حد أدنى من المصداقية.. وربما يثبت لاحقاً أنها في الحقيقة فكرة أميركية تدخل في تصنيف «العلاقات العامة» على غرار مشروع «خارطة الطريق».