يجادل دونالد ستوكر المحاضر في كلية أركان الحرب البحرية في الولايات المتحدة، بأن هزيمة التمرد في العراق ممكنة، مشدداً على ان فيتنام رسخت في أذهان الأميركيين درساً خاطئاً وان العراق ليس استثناءً من قاعدة هي ان الثورات وحركات التمرد نادراً ما تنجح. (دونالد ستوكر: الثورات نادراً ما تنجح والعراق ليس استثناء ـ نشرة فورن بوليسي الالكترونية).
ويشدد ستوكر على ان استراتيجية الرئيس الأميركي جورج بوش الجديدة في العراق يمكن ان تنجح شريطة ان لا تكرر الولايات المتحدة أخطائها السابقة في العراق. وفي معرض تدليله على رأيه هذا، يشير ستوكر إلى ان هزيمة الولايات المتحدة في فيتنام لم تكن بفضل ذكاء أو براعة ثوار الفيتكونغ، بقدر ما كانت تعود إلى تآكل التأييد الشعبي الأميركي للحرب وللطريقة التي أدار بها الرئيس ليندون جونسون وإدارته الحرب.
ويمضي للقول ان السبب نفسه ينطبق على هزيمة السوفييت في أفغانستان، فالسبب ليست عمليات المجاهدين الأفغان بقدر ما كان أوضاع الاتحاد السوفييتي الاقتصادية الصعبة والضعف السياسي في الداخل.يخلص كاتب المقال إلى ان محور نجاح استراتيجية بوش الجديدة في العراق هو قدرتها على إحلال الأمن وإقناع الحكومة العراقية على نزع العوامل التي تهدد سلطتها ويشير بالتحديد إلى جيش المهدي التابع لمقتدى الصدر وما يسميهم المتطرفين السنة وأيضاً عناصر تنظيم القاعدة.
يبدو هذا الرأي فريداً وسط موجة من الانتقادات التي نالتها استراتيجية بوش الجديدة حتى في أوساط حزبه الجمهوري، وأحد أكثر الانتقادات قسوة لهذه الاستراتيجية جاءت على لسان ممثل ولاية نبراسكا في مجلس الشيوخ السيناتور تشاك هاجل (الجمهوري) الذي وصف استراتيجية بوش بأنها واحدة من أخطر أخطاء السياسات الخارجية الأميركية منذ فيتنام. (دير شبيغل الألمانية ـ 12 يناير).
إحلال الأمن وترسيخه كحقيقة يومية في العراق قد يشكل خطوة جبارة للأمام، لكن إلى أي مدى يمكن المراهنة على قدرة الإدارة الأميركية والحكومة العراقية على تطبيق تدابير حازمة وفعالة في هذا الصدد؟ أبعد من هذا، هل يمكن ان يشكل هذا معيار النجاح الأساسي للاستراتيجية الجديدة؟
التدابير الأمنية، وتسيير الخدمات وإعادة الإعمار، أي بعبارة أخرى كل متطلبات المرحلة الانتقالية التي يعيشها العراق حالياً تتطلب إرادة سياسية قوية بالدرجة الأولى. هذه الإرادة غير متوفرة حتى الآن، ولا تكفي ان تكون من طرف واحد. ان قدرة الأميركيين على فرض السياسات على الحكومة العراقية آخذة في التضاؤل، في الواقع انها مازالت غير قادرة على التأثير بقوة على الفرقاء العراقيين لبلورة إرادة سياسية قوية وموحدة. لقد برهنت على هذا منذ تمرد مقتدى الصدر في 2004،
فرغم فجاجة بول بريمر في الإصرار على إنهاء ذلك التمرد في سياق الالتزام بالقانون وإصدار مذكرات اعتقال بحق الزعيم الشاب، فان كل عنف المواجهات التي دارت في النجف لم تكن كفيلة بإنهاء ذلك التمرد على النحو الذي أراده الأميركيون. لقد تعين عليهم في النهاية ان يطرقوا باب المرجع آية الله السيستاني ومن هناك جاءت التسوية التي أبقت مقتدى الصدر وأبقت جيش المهدي وأعطته الوقت لينمو بل ولكي يخرج من المعركة أقوى مما كان عليه.
ربما لم يكن بحساب الفرقاء وقتذاك ما آل إليه جيش المهدي ولا كان بقدرتهم التنبوء بمسار الأحداث فيما بعد مثل اختراق قوات الشرطة وفرق الموت وسيناريو الاقتتال الطائفي المرعب الذي بات يخيم على العراق اليوم الذي يتحمل الصدر وجيش المهدي نصيباً كبيراً من المسؤولية فيه، لكن بالتأكيد ان كان هذا يبرهن على شيء فانه يبرهن على الافتقار للإرادة السياسية القوية لتطبيق الخطط والتدابير اللازمة لإحلال الأمن وتطبيع الحياة اليومية، بل وخلق مناخ موات للنمو الشامل.
لكن أخطر تحد تواجهه الولايات المتحدة في العراق هي أنها بلا أصدقاء حقيقيين. فإذا كانت عملية كسب السنة أمراً صعباً في الوقت الحاضر، فان مقتدى الصدر برهن غير مرة ان بإمكانه يكون طرفاً مزعجاً إلى أبعد الحدود، بل ان هذا الإزعاج من شأنه ان يخلق مناخاً ومشاعر معادية للأميركيين في أوساط قسم غير قليل من الشيعة.
ان عملية نزع سلاح جيش المهدي تبدو أصعب بكثير عما قبل وأخطر ما فيها هو ان يطالب الصدر بثمن سياسي كبير لذلك قد يجد الأميركيون أنفسهم مضطرين لدفعه للحصول على مكاسب. ومثل هذا الاحتمال ليس سهلاً أبداً لأنه لا يفعل سوى المباعدة بين العراقيين وبين بناء دولة تقوم على القانون لا على التسويات. ربما بدا ذلك تسوية تاريخية ضرورية، لكن في منطقتنا هذه وفي العراق تحديداً قلما يتم التعامل ضمن هذا الفهم، بل إنها ستضيف عناصر تأزيم جديدة للوضع.
أما عناصر تنظيم القاعدة، فان الحرب ستستمر ضدهم دون هوادة بالطبع وهؤلاء ليس لهم حظوظ كثيرة في النجاح سوى تأجيج مناخ الاحتراب الأهلي وتسميم العلاقات بين السنة والشيعة. ان ستوكر يشدد في مقاله على ان الوقت يداهم الأميركيين وان عليهم التحرك سريعاً، والوقت يبدو هنا عنصراً ضاغطاً على الأميركيين، وهنا فان التحدي الأهم أمام الأميركيين هو المقاومة العراقية، أي تلك التي توجه عملياتها نحو الجنود الأميركيين وليس نحو المزارات الشيعية وتجمعات الناس في الأسواق.
الوقت هنا ليس في صالح الأميركيين إذ ان بطء التقدم في إحلال الأمن جراء الافتقار للإرادة السياسية القوية، يعطي ميزة للمقاومة مهما كانت درجة ومستوى عملياتها، فمرور الوقت من شأنه ترسيخ ثقافة مقاومة في أوساط السكان وكلما تأخر التقدم السياسي، كلما كسبت المقاومة.
الأمر نفسه ينطبق على إيران أيضاً، هذه الأخيرة تبدو أكثر هدوءاً من الأميركيين في العراق لأن الورطة هي ورطة الأميركيين بالدرجة الأولى. وإذا ما فكر الأميركيون في مواجهة على أي مستوى مع إيران، فان قدرة إيران على أذية الأميركيين في العراق كبيرة. ان احتمالاً من هذا النوع سيعيد التأكيد على حقيقة استراتيجية مهمة هي ان ظهر القوات الأميركية في العراق مكشوف.
كاتب وصحافي بحريني
