لم يكن التوصل الى وقف اطلاق النار الراهن في قطاع غزة بين حركتي »فتح« و »حماس« بالامر السهل، كما ان هذا الاتفاق يحظى بالتأييد المطلق من قبل الفلسطينيين جميعا، خصوصا وانه جاء في اعقاب اشتباكات ما كان يجب اصلا ان تحدث بين هاتين الحركتين المنتميتين الى شعب واحد وقضية واحدة وتواجهان معا تحديات الاحتلال وممارساته وسيطرته شبه المطلقة على المقدرات الفلسطينية بحيث ان ما تبقى من الصلاحيات الشكلية لاصحاب المناصب والحقائب في فلسطين لا يستحق الاقتتال عليه، هذا اذا جاز مبدأ الاقتتال والتصارع بين اخوة المصير الواحد على اي مكاسب مهما كانت جدواها ومزاياها.

المواطنون الفلسطينيون كيّفوا بوقف اطلاق النار بعد ان حصد الاقتتال الداخلي ما يزيد عن ثلاثين ضحية معظمهم من الاطفال والنساء وعابري السبيل وقاطعي الشوارع وكان الامل وما يزال ان تثبت التهدئة وتتعزز ليستأنف اهالي القطاع حياتهم العادية آمنين على ارواحهم وممتلكاتهم من الرصاص الطائش والقذائف المدمرة وهذا ما حصل بالفعل امس الاول حيث تنفس المواطنون الصعداء وعادت الحياة الطبيعية شيئا فشيئا الى معظم احياء وشوارع غزة وغيرها من مدن القطاع بعد اسابيع من المعاناة وسط تبادل اطلاق النار والاشتباكات العبثية بين ابناء الوطن الفلسطيني على خلفية منازعات واجتهادات كان يجب ان تتم توسيتها عبر الحوار والمحادثات الاخوية البناءة.

الا ان التقارير الاعلامية بالامس حملت انباء عن استئناف الاشتباكات وتبادل اطلاق النار والهجمات على المسؤولين من هذا الفصيل او ذاك الامر الذي اثار مشاعر القلق على مصير وقف اطلاق النار واحتمالات انهياره نتيجة للانتهاكات المتكررة للتهدئة وبسبب توجهات خاطئة وغير مقبولة لدى البعض لمواصلة الاقتتال ضد ارادة ابناء الشعب الفلسطيني الذين حددوا موقفهم الرافض بشكل قاطع لسفك الدم الفلسطيني واستخدام السلاح الفلسطيني في غير موضعه وادانوا الانقسام والتفكك في الصف الفلسطيني حتى قبل ان تتحقق الاهداف الوطنية المشروعة التي ضحت الاجيال المتتالية من اجل تحقيقها منذ بدايات القرن الماضي وما يزال الشعب الفلسطيني يدفع ثمن هذه الاهداف حتى يومنا هذا من ارواح ابنائه ودمائهم وحرياتهم وممتلكاتهم.

وقد شهدت المدن الفلسطينية في الضفة الغربية والقطاع العشرات من المسيرات والاعتصامات دعت كلها لوضع حد للاقتتال واستئناف الحوار الوطني والاتفاق على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية القادرة على فك الحصار والانطلاق نحو التسوية النهائية للقضية الفلسطينية، الا ان اصوات مئات الآلاف من الفلسطينيين لم تصل كما يبدو الى اسماع من يفضلون صوت الرصاص ودوي القذائف على مناشدات ابناء شعبهم للعودة الى التعقل ورص الصفوف وحل الخلافات بالتي هي احسن.

والمطلب الملح الآن هو انقاذ وقف اطلاق النار والالتزام به من قبل الحركتين المتنازعتين لأن التهدئة وان كانت غاية بحد ذاتها فهي في الوقت ذاته المنطلق للانتقال الى مرحلة يسعى اليها الشعب الفلسطيني والاسرة الدولية وهي مرحلة تنفيذ المبادرات والطروحات السلمية التي تستهدف اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وانهاء الاحتلال الاسرائيلي المستمر منذ اربعة عقود، وهذه اهداف لا يمكن بلوغها الا بتضافر الجهود ووحدة الكلمة ونبذ الخلافات الهامشية والتركيز اولا واخرا على المصلحة العليا لهذا الشعب وقضيته العادلة.