كيف يمكن لعربي غيور على أمته أن يقبل بما يحدث اليوم في فلسطين من اقتتال وسفك للدماء وفتنة انزلق فيها أشقاء النضال والقضية والمصير الواحد؟

وكيف يمكن أن يقتنع أي إنسان أو أي عربي أيضاً بأن عوامل الاحتقان السياسي والتنافس على السلطة بين أولئك الأشقاء - الذين ظلوا يضربون الأمثال ويقدمون الأنموذج الرائع بتمسكهم بوحدتهم وتلاحمهم الداخلي وصمودهم في وجه أشد المؤامرات بشاعة - قد أنستهم أن السقوط في مستنقع الانفعالات الداخلية وإغراق الساحة الفلسطينية بمواجهات عبثية يقتتل فيها الإخوة وتنتهك فيها حرمة الدم الفلسطيني ببندقية فلسطينية إنما هي الغاية التي ظلت إسرائيل تنتظرها بل وتتحيَّن الفرصة من أجل بلوغها.

ومكمن الخطر أن ما جرى ويجري لن يفضي فقط إلى توسيع شقة الفرقة وتمزيق وحدة الصف وإعاقة مسيرة النضال الوطني المشروع والعادل الذي يخوضه أبناء الشعب الفلسطيني منذ خمسين عاماً من أجل استرداد حقهم المغتصب وأرضهم المحتلة، إذ أن الأنكى من ذلك هو ما قد يجلبه هذا التصادم العبثي من ويلات ومآسٍ وكوارث جديدة على الواقع الفلسطيني بفعل الاستغلال الاسرائيلي لهذه الأحداث.

وقد بدت مؤشرات هذا الاستغلال في قيام جنرالات الاحتلال يوم أمس بالتمادي في الاغتيالات والاعتقالات في رسالة حملت في مضمونها أن مثل هذه الظروف تجعل الجميع تحت حراب الاحتلال، وأن أي صدامٍ داخلي بين فرقاء القضية الفلسطينية يجعل من هذا الاحتلال أقدر على تنفيذ مقاصده ومخططاته، أكان ذلك عبر التوسع في إقامة المستوطنات أو عن طريق ابتلاع البقية الباقية من الأرض المحتلة وخلق وقائع جديدة على الأرض يصعب تغييرها في ظل واقع إقليمي ودولي محتقن تلفُّه الأزمات من كل جانب.

وقبل كل هذا وبعده فإن الشيء المحزن أن يسفك أبناء الشعب الواحد دماء بعضهم بعضاً وأن يتحول الخلاف بين حركتي حماس وفتح إلى فتنة مدمرة تخضبها شلالات الدماء المتدفقة والتي كانت - إلى الأمس القريب - خطاً أحمر محرماً أن يقترب منه أحد.

حيث أن الأساس ومحور الارتكاز في صمود القضية الفلسطينية في وجه كل المحاولات التي استهدفت طمسها كان الرهان فيه - دائماً - على وحدة أبناء هذه القضية وتلاحمهم وتماسكهم ووعيهم بأن الوفاق هو سلاحهم الأول الذي يتصدون به لمخططات عدوهم الاسرائيلي الذي لا شك أنه يأمل هذه المرة في أن يؤدي التقاتل بين الفرقاء الفلسطينيين إلى دفعهم نحو حالة من الإحباط واليأس ليسهل له فرض أطروحاته على أية تسوية قادمة لحل النزاع تطرحها الرباعية أو أية أطراف دولية أخرى.

وليس في المستطاع سوى مطالبة الأشقاء الفلسطينيين باستشعار مسؤولياتهم والإدراك العميق لكل أبعاد تلك المعطيات التي لا يجب أن تغيب عن أذهانهم مهما كانت تعقيدات التباينات والاختلافات التي ساقتهم إلى تلك المواجهات، حيث أن الحقيقة التي لا ينبغي تجاهلها أو التعامل معها من منظور سطحي أن القضية الفلسطينية قد دخلت - بفعل الاحتقان السياسي القائم - مفترق طرق شائك، وهو ما يستدعي من هؤلاء الأشقاء الإسراع إلى إسكات لغة الرصاص والعودة إلى مائدة الحوار وتغليب المصلحة الوطنية الفلسطينية على ما سواها والاجتماع على كلمة سواء تفوِّت الفرصة على من يتربصون بهذه القضية.

وما يتمناه الجميع هو أن يستوعب أولئك الأشقاء على الساحة الفلسطينية بأن الانسياق في مسلسل الفتنة الداخلية لا يقل فداحة وفظاعة عن جريمة الاحتلال..

والمطلوب منهم الانفتاح على بعضهم البعض وتقبُّل كل طرف للآخر، والسعي الجاد إلى تطويق ومحاصرة حرائق الفتنة وعدم إهدار الوقت في خلافات لا تخدم مشروعهم الوطني وتطلعاتهم إلى الحرية وإقامة دولتهم المستقلة.

ذلك ما نأمل أن يجد قابلية التطبيق على أرض الواقع وفي أسرع وقت ممكن.