تعد تجربة التعليم العالي في دولة لإمارات العربية من التجارب العربية الناهضة والأصيلة. ليس فقط لأنها تجربة بنيت من الصفر، بل لأنها تجربة تنشد التطور والتكيف المستمر مع المتطلبات التنموية التي يحتاجها البلد على كل الأصعدة والمستويات والميادين. بناء الأمم الناهضة يعتمد أساساً على الإنسان الذي لابد أن يتحمل مسؤوليات البناء ويفهم معانيه لكي يديم التطور ويتواصل معه.

فإذا كان البناء المادي هو التعبير الكمي الملموس لتطور البلد وخطاه الحثيثة نحو التقدم، فإن بناء التعليم العالي على أسس علمية متطورة هو التعبير النوعي لعملية التطور تلك. وعليه فإن خطى التعليم العالي في دولة الإمارات سارت على هذا لأساس الذي عنوانه الأساسي التوافق بين البناء الكمي والبناء النوعي الذي يختص ببناء وتنمية تلك الكوادر البشرية التي سوف تحمي وتديم مسيرة البناء والتقدم.

وبناء عليه سار التعليم العالي في دولة الإمارات العربية بخطى كبيرة وثابتة كان نتيجتها إن نسبة المشاركة في التعليم العالي بدولة الإمارات العربية المتحدة تعتبر من أعلى النسب عالمياً حيث تبلغ 95% للطالبات و80% للطلاب وذلك من خريجي الثانوية العامة، سواء الذين يودون الالتحاق بمؤسسات التعليم العالي في الدولة أو الملتحقين ببعثة دراسية في الخارج. هذه الإحصائية البسيطة إنما تشير إلى أن هناك ثقافة متنامية تدعى ثقافة التعليم العالي. كما إنها تعني أن هناك مخرجات واعدة للتعليم العالي. كما أن التعليم العالي ارتكز على أهداف ومبادئ أساسية أهمها:

1- بناء الشخصية الإنسانية المتكاملة، عقيدة وسلوكاً ومهارة وأداء

2- تدعيم الانتماء الوطني والعربي والإسلامي، وتعزيز الذاتية الثقافية

3- اعتماد العربية لغة للتعلم

4- التواصل مع ثقافات الشعوب الأخرى في ضوء الثقافة العربية الإسلامية

5- الوفاء باحتياجات المجتمع من الموارد البشرية كماً وكيفاً

6- إتاحة الفرص التعليمية المتكافئة لكل المواطنين

7- تنويع الفرص التعليمية بما يتفق والقدرات المتاحة

وهنا نتساءل ما هي الأسس التي تنطلق منها قاعدة التعليم العالي في دولة الإمارات؟

برأينا المتواضع هناك ثلاث أسس تستند عليها قاعدة التعليم العالي في دولة الإمارات:

الأولى: التخطيط، إذ أن نجاح مؤسسات التعليم العالي مقرون بحسن التخطيط الذي هو المفتاح لاستمراريتها ولانسجامها مع متطلبات التنمية. أساس التخطيط في دولة الإمارات ينطلق من قاعدة مفادها أن يكون التخطيط مقترناً بسرعة التنفيذ وهذه القاعدة انطبقت على التعليم العالي مما أدى إلى ان تكون خطى تنمية التعليم العالي سريعة ومتناسقة.

الثانية:الاستفادة من التجارب العالمية:

في الواقع أن اليابان بنت إمبراطوريتها على أساس الاهتمام بالتعليم حتى صار التعليم هو السر الذي أخرج اليابان من محنتها، هذا الأمر جاء من حكمة مفادها ان البناء يتمتع بخاصية الديمومة سوى بناء الإنسان إذ أن أي بناء مادي يمكن ان يتعرض لمخاطر الزوال والاضمحلال لكن بناء الإنسان هو الإكسير الذي من شأنه تدعيم التطور وإدامة التنمية الإنسانية الذي تسهم الدولة في بنائه إنما هو رصيدها وأساس نهضتها الحقيقية. ولقد تبنت اليابان فكرة الاستفادة من التجارب العالمية في بناء وإدارة مؤسسات التعليم العالي فأرسلت البعثات التي كانت الأهداف منها نقل تلك التجارب بعد ان يتم تنقيتها من الرواسب الضارة ومزاوجتها مع طبيعة البناء الاجتماعي.

دولة الإمارات وقياداتها المخضرمة والشابة أدركت أهمية الاستفادة من الموروث الإنساني في بناء مؤسسات التعليم العالي مع أهمية ترسيخ الموروث العربي والإسلامي. والأهداف والتطلعات الوطنية والقومية التي تشكل الطابع الأصيل ـ للشباب العربي في دولة الإمارات. وعليه ان رؤية فاحصة لمؤسسات التعليم لعالي تكشف لنا انه قامت على أسس تقنيات التعليم العالي في أكبر وأعرق جامعات العالم، واعتبر ذلك من أهم انجازات التعليم العالي حتى جاءت مخرجات التعليم العالي في الدولة تعكس حجم التطور النوعي والكمي الذي حظيت به هذه المؤسسات التعليمية.

ثالثاً: التعليم من أجل العمل النافع المنتج

ربط المتعلم بالواقع الاقتصادي في جوانبه وأبعاده المتعددة، وتنويع فرص التعليم وتطويرها، بما يلبي حاجات المجتمع الاقتصادية ومتطلبات التنمية المستمرة الشاملة، وتنظيم التعليم والارتقاء بمستوى كفاءته ونوعيته وملاءمته، بما يحقق استجابة للاحتياجات التنموية، وجعل التعليم من أجل الإبداع والابتكار، سمة رئيسية من سمات التعليم العالي. وعليه جاءت أهم الأهداف العملية للتعليم العالي بالشكل التالي:

1- إعداد القوى البشرية المواطنة، وتأهيلها وتدريبها بما يلبي تنويع مصادر الدخل الوطني، وبصفة خاصة، التوسع في قطاعي الصناعات التحويلية والخدمات

2- التوسع في التعليم الفني والمهني والتقاني، بمختلف مستوياته وتخصصاته، بما يلبي حاجات التنمية

3- التأكيد على التكامل بين مخرجات التعليم ومتطلبات التنمية الشاملة

4- الارتقاء بمستوى إعداد القوى العاملة المواطنة، وتأهيلها وتدريبها، بما يمكنها من استيعاب التطورات التقنية المستقبلية

واستناداً على ما سبق قوله فإن عملية بناء مؤسسات التعليم العالي ليست بالأمر السهل بل انها في الواقع التحدي الأكثر خطورة الذي تواجهه أي عملية تنموية. خاصة إذا ما كان الهدف هو عملية جادة لبناء الإنسان. دولة الإمارات العربية هي حقيقة دولة حديثة التكوين وشاءت الأقدار ان تكون الظروف المكانية والزمانية التي رافقت عملية بناء هذه الدولة شديدة الصعوبة.

إلا أن إصرار القيادات في هذه الدولة وإصرار أبنائها على ان ينجحوا في أي تحدي يواجه عملية البناء والتنمية قاد إلى تجاوز العقبات والصعاب. في الواقع فان عملية بناء التعليم العالي سوف يقدم المعين الذي لن ينضب الذي يمد مؤسسات الدولة بالجيل الواعي المثقف نوعياً وكمياً هذا الجيل هو الضمانة الحقيقية التي تحمي منجزات التنمية والتطور المتصاعدة في دولة الإمارات.

كاتبة عراقية