المتشائلون كما المتفائمون يقولون بارتياح حذر أن عمليّة تبريد الأجواء السياسيَّة والرؤوس الحامية، مستمرة على قدم وساق وفخذ.وخصوصاً بعد اصطدام غلاة التصعيديّين والحربجييّن بحائط الفتنة وألسنة نيرانها.والتصريحات الهادئة لا تنفكُّ تتحدَّث عن "تطور" قد تشهده عمليَّة التبريد قبل نهاية هذا الاسبوع.

وقد تتوجَّ بعودة المتشائل الأول عمرو موسى الى بيروت، متابطاً مبادرة قديمة جديدة منقّحة ومزادة، بل مزوَّدة بأفكار اضافيَّة من شأنها اعادة فتح باب الحوار، وباب ساحة النجمة، وباب قاعة الجلسات في مجلس النواب.

وباعتبار ان الغريق يتعلَّق عادة بقشة، فانَّ اللبنانييّن الذين ينتظرون كلمة، تلميحة، غمزة من غيمة عابرة، تلقَّفوا اشارة الرئيس نبيه بري وقوله انه أصبح أكثر تفاؤلاً، واستبشروا خيراً.

من دون المرور مرور الكرام بالكلام الايجابي "المفاجىء" الذي تضمنه الخطاب الاخير للسيّد حسن نصرالله، ومسارعة مصادر الرئيس فؤاد السنيورة الى ردّ التحيَّة بأحسن منها، والترحيب بـ"النبرة" الجديدة للأمين العام لـ"حزب الله".

مع التمنّي أن يترجم الكلام الى خطوات وأفعال على الأرض، وتحديداً لجهة الاعتصامات التي لا تزال باركة في بعض الساحات، والتي يقول استمرارها ان لا شيء تغيَّر.

كما يعني ان كل الاحتمالات لا تزال واردة، حتى تلك التي أوصلت لبنان الى حافة الفتنة الكبرى.التبريد مرغوب فيه بلا ريب. إلا انه يبقي الناس والبلد رهينة أي اختلاف عابر، أو سوء تفاهم بين طالبين، أو أي اصطدام بين سيارتين. وفي أحسن الحالات يبقيه كرهين المحبسين.

فيما المطلوب بعد هذه الجلجلة الطويلة، وبعد سلسلة التجارب القاسية والمريرة، طيّ هذه الصفحة بكل نيرانها ودخانها وأهوالها، وفتح صفحة لبنانيَّة جديدة، مبنيَّة على التفهّم والتفاهم والتوافق، ولمرة أخيرة. أم ان ذلك أصبح، بدوره، رابع المستحيلات؟

صحيح ان الراجمات الصوتيَّة قد توقَّفت عن قصف البلد والناس بتصريحات التحريض والتهديد والتهويل وما اليها، الا أن لا شيء يمنع عودتها غداً أو بعد غد، وعلى أشدّ وأدهى وأكثر فتكاً وتأجيجاً.كما أن لا أحد يضمن استمرار "قشرة" التفاؤل والتبريد معها، وفي ساعة سمَّاعة تطير كأنها لم تكن، اذا ما صدرت الاوامر باعادة التسخين والتصعيد... من حيث تصدر عادة.

كلنا نعلم أن الأزمة الراهنة تحتاج الى أكثر من تبريد، واكثر من تهدئة، واكثر من فتح طريق من هنا وفتح ساحة من هناك.انها تحتاج الى حل كامل شامل ونهائي. ومثل هذا الحل لا يوفّره ويحقّقه الا مؤتمر وطني برعاية عربيَّة، أو طائف آخر على مصغَّر في الرياض مثلاً.فحتى المبادرات والوساطات الجوَّالة فَقدت فاعليَّتها وبريقها، ولو كان عمرو موسى حامل لوائها.