نتغنى دائما بالقدس الشريف باعتبارها ثالث الحرمين الشريفين ومدينة الاسراء والمعراج وعاصمة دولتنا العتيدة وتمتلىء ادبياتنا بالاغاني والاشعار والرسومات التي تبين قيمة القدس ومكانتها في القلوب والعقول ماضيا وحاضرا ومستقبلا وهذا كله كلام صحيح وصادق ويعبر عن حقيقة المشاعر تجاه هذه المدينة الخالدة الفريدة التي لا توجد مدينة اخرى في الدنيا توازيها اهمية لدى الديانات الموحدة جميعها، ولا يوجد متر واحد من اماكنها وازقتها وشوارعها، دون ذكرى تاريخية ودون رموز عظيمة.

هذه القدس بكل هذه الابعاد التاريخية والدينية ماذا فعلنا لها وكيف تعاملنا مع همومها واحتياجاتها وصمودها وحتى مجرد بقائها!

الاجوبة في غاية المرارة والقسوة، باتفاق الجميع من مواطنين ومسؤولين واشباه مسؤولين وكانت الضربات تتوالى عليها بالاهمال وشح المخصصات المالية وغياب القيادة المحلية الحقيقية القادرة على توحيد الصفوف واستثارة الهمم وكان الاهمال سياسيا بالدرجة الاولى ولا سيما حينما وافقنا على تأجيل بحث قضيتها مع قضايا اخرى في غاية الاهمية ومؤخرا بدأت القدس تغيب حتى عن تصريحات وبيانات بعض المسؤولين.

ولقد هاجرت طوعا معظم مؤسسات القدس، واغلقت اسرائيل بصورة مباشرة او غير مباشرة مؤسسات اخرى، وظلت في المدينة مؤسسات وطنية بعدد اصابع اليدين، وحتى هذه البقية الباقية مهددة بالاغلاق التام كما اكدت محافظة القدس بسبب قلة الموارد والمخصصات المالية، مما يلقي بظلال قاتمة جديدة على الوضع في مدينتنا العزيزة.

في الجانب الاخر من الصورة، كان الاسرائيليون يعملون يوميا ودون توقف وبتخطيط شامل على تهويد المدينة وتغيير معالمها وعزل سكانها عن امتدادهم الفلسطيني سواء بالجدار او زيادة الاستيطان زيادة غيرت التوازنات السكانية او بالحفريات الخطيرة التي تهدد بشكل او بأخر الاماكن المقدسة، كما تؤكد كل المؤسسات الدينية في المدينة.

واذا كنا نريد ان نكون اكثر صدقا مع انفسنا ومع ما يهددنا ويهدد مدينتنا لتشخيص الداء وصولا الى تحديد الدواء، لا بد من الاشارة، ايضا الى ان هذا الواقع المرير قد القى بظلاله وتأثيره على سلوك ومواقف اشخاص كثيرين من مواطني المدينة الذين بدأوا يشعرون بالانعزال وقلة الحيلة فعلا، وقد زادت هموم المدينة هموما جديدة وقاسية في هذا الاقتتال والفوضى والفساد والفلتان الامني والقضائي والسياسي في الارض الفلسطينية.

ونتوجه بالنداء الى هؤلاء المقتتلين والى الرئاسة والحكومة والى »فتح« و»حماس« والى كل القوى السياسية لكي يضعوا القدس في اولوية اهتماماتهم المالية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية حتى لا تتحول الى مجرد اغنيات وذكريات.