لم يكتف هذا الوطن المنكوب بالاستيطان والحروب بكل أشكالها أن يتحول إلى أكبر مهجّر لسكانه بفضل السياسات المجنونة، حتى أن أهم بلدين اقتصادياً وثروات قومية متعددة، أصبحا على خارطة الدول المنكوبة، ليس بسبب الكوارث الطبيعية، كالزلازل، والفيضانات، والجفاف، والبراكين، وإنما ببركة رفض التعايش بين أصحاب الحي الواحد، والديانة الواحدة.
فالسودان قارة ذات تنوع اقتصادي فريد، ثروات حيوانية، وأنهر وبحيرات، ونفط، وغابات استوائية، ومناخات صالحة لإنتاج زراعي متنوع تقوم عليه مختلف الصناعات، وشعب لديه القدرة على العطاء، لكنه بسبب نزاعات جاءت من بيئات سياسية انتقلت من الخارج مثل اليسار الديموقراطي ثم الإسلام المسيس، وبدلاً من تطوير أول ديموقراطية ناجحة بدأت بالسودان.
جاء البديل انقلابات عسكرية، ادّعت الطهارة الثورية، كشأن معظم البلدان التي ابتليت بالتصفيات والتشرذم الداخلي، وخلفها انقلابات أخرى بهويات إسلامية وعرقية، فثار الجنوب، وتحارب الجنجويد مع بقية أعراق أخرى، وقد تعطلت حركة التنمية، وجاء التهجير الطوعي، والقسري ثمناً فادحاً، عندما فقد السودان طليعة متعلميه أصحاب الاختصاصات المتعددة نتيجة تتالي الحروب والانقسامات.
العراق نموذج آخر، فقد بدأت نكباته مع انقلاب عبدالكريم قاسم وفرض عليه التقسيم بعد نهاية حكم صدام، حيث برزت الثارات تظهر على السطح وبدلاً من خلق نسيج اجتماعي متجانس، كما حدث أثناء الحكم الملكي، وكان العراق أكبر سوق للحبوب والنفط، وأول بلد عربي مترف تذهب طليعته للدراسة في أوروبا وأمريكا، ويتخاطب أعضاء برلمانه بكل وسائل النقد في حركة دائبة وتتشكل الوزارات من الكفاءات المميزة بدون تدقيق بالهوية.
حيث شهدت الحكومات كل الأطياف عربية، وكردية، مسلمة، ومسيحية، ويهودية، وقد مسخ كل ذلك مع تجاربه الثرية حين بدأ التصنيف الثوري، وصار كل عسكري أو مدعي الثورية يحارب خصمه، فتناثرت الجماجم من كل الأطراف شيوعية، وقومية، إسلامية سنية وشيعية، وبدلاً من الاستمرار بالتنمية، صار أفقر بلد، لتأتي هجرة الثلاثة ملايين زمن صدام، وتلحقها ثلاثة أخرى في زمن الديموقراطية الأمريكية، يضاف لها التهجير الداخلي بسبب انتشار الذبح، وإخلاء الأحياء لمذهب ما، أو قومية، والنتيجة أن أغنى بلدين عربيين وصلا إلى حد الفقر المتدني، لأنهما في مزاد السياسة، فذهب كل شيء.