منذ الاحتلال الأميركي لأفغانستان 2001، وتشتت حركة طالبان، ازدهرت زراعة الأفيون بدرجة غير مسبوقة هناك. ووفقاً لتقارير الأمم المتحدة فقد زرعت أفغانستان العام الماضي من الأفيون ما يكفي لعمل 450 طناً من الهيروين وهو ما يعادل 90% من واردات العالم. وفي ضوء وطأة الفقر الغالب على أكثر من 87% من أبناء الشعب الأفغاني، يتجه المزيد والمزيد من الفلاحين الفقراء لزراعة أراضيهم بالأفيون، ليقعوا بين مطرقة الاحتلال الغاشم من ناحية.
وبين سندان الفساد الواسع الانتشار في أفغانستان من ناحية أخرى. وبينما استطاعت حركة طالبان الأصولية الإسلامية الحد بدرجة كبيرة من زراعة الأفيون في أفغانستان، عادت هذه الزراعة لتزدهر مرة أخرى بدرجة غير مسبوقة، بحيث أصبحت أفغانستان أكبر مُورد للهيروين الخام البالغ النقاوة في العالم، وذلك تحت مظلة الوجود الأميركي، وقوات حلف الناتو.
ويرى أنطونيو ماريا كوستا، المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة لشؤون مكافحة المخدرات والجريمة، أن العام 2006 قد سجل رقماً قياسياً في إنتاج الأفيون في أفغانستان بلغ 6100 طن من الأفيون، ومن المتوقع أن تتجاوز عائداته غير المشروعة الثلاثة آلاف مليون دولار أميركي، وهو ما يعادل تقريباً نصف الناتج المحلي الإجمالي لأفغانستان. ويؤكد كوستا على أن أموال الأفيون يُعاد استخدامها مرة أخرى في تمويل معامل تخليق الهيروين العالي النقاوة، والذي يجد طريقه مرة أخرى إما إلى المدمنين الأفغان الذين تزداد أعدادهم يوماً بعد آخر، وإما إلى دول الاتحاد السوفييتي السابقة مثل طاجيكستان، وأوزباكستان، وتركمنستان، إضافة إلى روسيا، حيث ينطلق مرةً أخرى إلى الدول الأوروبية المختلفة.
لقد أسهمت زراعة الأفيون الهائلة في أفغانستان إلى خلق تفاوت طبقي حاد، بين نسبة قليلة جداً تستفيد من تجارة الهيروين، وبين الأغلبية التي تعيش في فقر مدقع، رهينة الخضوع لهيمنة العصابات الإجرامية، ومافيا المخدرات المحليين والعالميين. وترتبط بزراعة الأفيون حالة إفساد ضخمة لكبار المسؤولين، حتى ان كوستا، في تقريره السابق، يشير إلى أن زراعة المخدرات تتم بعلم الأجهزة الأمنية المختلفة، وتشارك بعض سيارات الشرطة والجيش في نقل الهيروين عبر أفغانستان إلى مناطق ترويجه وتهريبه. وهو ما يكشف عن الدور الكبير الذي تلعبه السلطات الرسمية في تجاهل هذا النوع من الزراعات الواسعة النطاق، والتي تزداد يوماً بعد يوم.
ولا تتوقف خطورة هذا التوسع الضخم في زراعة الأفيون على خلق حالة من الدمار الهائل لدولة تدعي الولايات المتحدة وحلف الناتو أنهما أخرجتاها من ظلام العصور الوسطى، وانتهاك حقوق الإنسان بما فيها انتهاك حقوق المرأة إلى نور الحضارة والرقي والتمدن، لكنه يتعدى ذلك إلى خلق مستويات عالية من الإدمان بين المواطنين الأفغان الفقراء، وبين الكثير من الدول المجاورة الأخرى. فمنذ سقوط طالبان، ومع الانتشار الهائل للهيروين في أفغانستان ورخص سعره، زاد عدد المدمنين، وزادت نسبة الأفغان الذين يقبلون على تعاطي الهيروين. كما أنه في ظل انعدام الخدمات الصحية في حدودها الدنيا، تزداد نسب الإصابة بالإيدز جراء ازدياد نسبة تعاطي الهيروين بين الأفغان في ظل توافره بأشكال غير مسبوقة.
وفي ظل الوجود الكثيف للقوات الأميركية والبريطانية وقوات حلف الناتو في أفغانستان، رغم الدعوات المتواصلة بضرورة زيادة أعداد هذه القوات، فإن هذه القوات تتحمل المسؤولية الكاملة حول انتشار زراعة الأفيون، وازدياد كميات الهيروين المُخلق في أفغانستان. فالمُحتل يتحمل كل ما يحدث في دائرة المناطق التي تقع ضمن سلطاته، وضمن هيمنته. وهنا يبقى السؤال الخاص عن دور الولايات المتحدة الأميركية، على وجه الخصوص، في انتشار زراعة الأفيون مشروعاً بدرجة كبيرة، إلى الحد الذي يمكن معه أن نتصور بأنها تستفيد من هذه الزراعة، وهذا الانتشار في تمويل حملتها غير الواضحة المعالم السياسية للقضاء على الإرهاب.
ويحقق انتشار زراعة الأفيون في أفغانستان فوائد ومصالح عديدة للولايات المتحدة الأميركية، منها الانتقام من الأفغانيين أنفسهم، الذين رضخوا لحكم طالبان فترة من الوقت، وساهموا في تدعيمها، وتقديم التسهيلات لها، والتعويض عن خسائر الأميركيين في سبتمبر 2001، التي لم يستطيعوا أن يعوضوها من خلال حملتهم العسكرية المباشرة على أفغانستان. كما أنه من غير المستبعد، أن تكون الولايات المتحدة شريكاً مباشراً في أرباح هذه الزراعة، وذلك عبر المكاسب التي يحققها التجار المستفيدون من هذه الوضعية، بما يسمح للولايات المتحدة الأميركية بالوجود في المنطقة، بزعم الحاجة إليها في أفغانستان، وبتمويل حملتها على الإرهاب.
فالولايات المتحدة الأميركية لن تدفع سنتاً واحداً من أجل عيون الديمقراطية وحقوق الإنسان، في مناطق تعلم مدى الكراهية الدفينة لها فيها. من ناحية أخرى، يتدفق الكثير من الهيروين المنتج أفغانياً إلى العراق، حيث العديد من المنافذ التي تنقله إلى العالم العربي، ومن بينها دول الخليج العربي، بما يؤثر على وضعية هذه الدول، والتأثير عليها، وعلى الأجيال القادمة.
ولا يتعلق هذا السيناريو بأية نظريات تآمرية، فلا يخفى عن الأنظار هنا، الدور الكبير الذي يلعبه الهيروين الأفغاني المتدفق على روسيا من انتشار واسع المدى للإدمان بين الروس، مع ما لذلك من تأثيرات بالغة الخطورة على إضعاف روسيا، واستمرار تبعيتها للولايات المتحدة الأميركية. كما أن أوروبا نفسها قد عانت من هذا التدفق، وهو الأمر الذي يفسر بدرجة كبيرة سر اهتمام الاتحاد الأوروبي بوضعية المخدرات في أفغانستان، ويفسر سر زيارة وزيرة الدفاع الفرنسية لأفغانستان، وتأكيدها على ضرورة اجتثاث زراعة الأفيون فيها.
على ما يبدو أن الولايات المتحدة الأميركية لم تعد يكفيها تلك الحرب العسكرية المباشرة ضد المنطقة، لكنها تستخدم أية آلية تستطيع من خلالها أن تحقق أية نجاحات تقنع بها المواطن الأميركي، حتى ولو كان استخدام سلاح المخدرات، ونشره بين شعوب المنطقة. وهو ما يؤكد على ضرورة اليقظة والحرص تجاه هذه الحرب الجديدة غير المعلنة. فما يحدث في أفغانستان، وفي العرق، وربما لبنان، لا يرتبط فقط بخلق مناطق توتر وفوضى جديدة، لكنه أيضاً يرتبط بخلق مجالات جديدة لعمل العصابات وتفشي الإجرام والفساد المحلي، المدعوم بالقوى الدولية الرسمية والعصابات الإرهابية. وهو الأمر الذي يسهل من انتشار المخدرات في أشد أشكالها تدميراً وهلاكاً مثل الهيروين، وهو ما يسهل في النهاية السيطرة على شعوب المنطقة، واستعبادها إلى الأبد.
يطرح برنامج الأمم المتحدة لمقاومة المخدرات، ضرورة الجمع بين منهج المقاومة، ومنهج التنمية الحقيقية للفلاحين الفقراء الذين لا يجدون أمامهم أي مصدر للعيش سوى الانخراط ضمن زراعة الأفيون، والحصول على النذر اليسير لعيشهم. وهنا تؤكد الأمم المتحدة من خلال مسؤووليها الذين زاروا أفغانستان على تحمل القوات الأميركية وحلف الناتو لدور كبير في المساعدة على التخلص من مزارع الأفيون، والمساعدة على إيجاد زراعات أخرى بديلة لهم. كما أنه من الضروري هنا التخلص من حجم الفساد الهائل الذي تستفيد منه النخب الحاكمة المرتبطة بمصالح مشتركة مع القوات الأميركية الغازية.
فهل يمكن تحقيق ذلك في المدى المنظور، وهل تُوقف الولايات المتحدة الأميركية آليات الانتقام التي توجهها لأفغانستان ولشعوب المنطقة؟ كل الشواهد الأفغانية تشكك في مثل إمكانية حدوث ذلك، على الأقل في المدى القريب، وهو ما يؤكد مرة أخرى على ضرورة أن تضع الدول المحيطة بأفغانستان نصب أعينها حرب الأفيون الأميركية القادمة ضد أبنائها ومستقبلها ووجودها.
كاتب مصري
salehabdelazim@hotmail.com