«إن تصدي الوطنيين المخلصين ومن ورائهم العلماء الروحانيون أدى إلى توحيد الكلمة والصف أمام محاولاتهم.. مما شجعنا على قيام الثورة الواقعية التي كان ثمرتها تكوين عرشكم هذا.. فأنا بدافع الإخلاص أنصحك يا سيدي أن لا تستعجل في الأمر.. راجيا أن تعطينا فرصة كافية لكي نرجع إلى العلماء علهم يعيدون النظر في الفتوى..

وفي حالة إصرار جلالتكم على المضي بما قررتم عمله.. فكن على يقين أن العلماء سوف يصرون على الفتوى وقد تحدث مشاكل وأمور بينكم أنتم في غنى عنها في الظرف الحاضر!! أما أنا فبصفتي جعفري إمامي المذهب.. لا أستطيع أن أخالف العلماء الذين أنا مقلدهم مهما يقع علي من جلالتكم.. وأن أبدي لجلالتكم أسفي الشديد لمخالفتكم في هذا الأمر»!.

ما سبق كان فقرة من مذكرات «محسن أبو طبيخ» أحد زعماء ثورة العشرين في العراق.. استعرض فيها تفاصيل لقائه بالملك فيصل الأول على ضوء مقاطعة الشيعة آنذاك لانتخابات مجلس 1923 ويسترسل «أبو طبيخ» في تفاصيله حيث يشير إلى أن الملك قد صرح حينها بقوله: «إني أقدر السيد «محسن أبو طبيخ» وأوده.. وإن آراءه معقولة.. إلا أنه لا يمكن من جانبنا التراجع عن أمر الانتخابات للمجلس التأسيسي».

فقد كان أخشى ما يخشاه الملك هو أن نقوم بدعاية ضد الانتخابات قد تثير المتاعب للحكومة في الفرات خاصة، ولها تأثير عام في بقية أنحاء العراق.

اليوم.. وبعد ما يقارب الثمانين عاماً على مقاطعة الشيعة لمجلس 1923.. ينسحب الحزب الإسلامي «السنة» من الحكومة العراقية في التاسع من نوفمبر 2004 معلناً مقاطعته للانتخابات!!.

لم يتغير المشهد العراقي كثيراً طوال هذه العقود.. فالشيعة في العشرينات أعلنوا «الجهاد» ضد بريطانيا.. تماما مثلما يعلن السنة اليوم «الجهاد» ضد أميركا!! في العشرينات كانت بريطانيا تقف في وجه إيران.. واليوم تقف أميركا في وجه إيران!!

تسلسل تاريخي يؤكد ثبوت الرؤية الماركسية لما يتعلق بحتمية التاريخ.. على الرغم من أن هنالك من يحاول أن يفسر ويعطي للوضع في العراق دلالات ومؤشرات غريبة وخارجة ليس عن دائرة المنطق وحسب وإنما كذلك عن حتمية التاريخ!!.

فالتحذير من المد الشيعي، ومن بروز هلال شيعي يمتد من بيروت إلى طهران لن يغير من الأمر شيئاً.. خاصة في بلد مثل العراق يشكل الشيعة أكثر من65 % من مجموع السكان.. تم نفيهم خارج دائرة القرار والنفوذ لعقود طويلة من الزمن.. وهو أمر قد أفرز ولا شك كل ما يعاني منه العراق اليوم من عنف ودماء وفوضى وهدر للطاقات وللثروات.

لقد أضافت الحرب في العراق بعداً طائفيا بغيضا على جميع أوجه الصراع والنزاع في المنطقة.. إلا أن الوضع على ما هو عليه لا يخلو من بعض التناقضات البعيدة عن الفرز الطائفي المعتاد «فحماس» السنية متحالفة مع إيران الشيعية.. والجنرال المسيحي عون.. متحالف مع الزعيم الشيعي «حسن نصر الله».. مما يذكرنا هنا بالتحالف السني مع بريطانيا إبان الحرب الأولى ضد الدولة العثمانية السنية!!. إن ما تعيشه المنطقة وما يعيشه العراق بالذات ما هو إلا حسم لصراعات ونزاعات قديمة ليست جميعها طائفية المنبع.. ويبقى إذن على الولايات المتحدة باعتبارها اللاعب الأوحد في المنطقة أن تستعين بملفات الوثائق البريطانية في «كيو جاردن» لتدير دفة النزاع بحكمة وترو وحذر!!.

suad.m@taleea.com