ربما كان مصطلح المثقف الملتزم قد أصبح قديماً بالياً في يومنا هذا بعد أن تعرض للتشويه من كثرة الاستخدام. ومعلوم أن الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر كان قد بلوره في الستينات من القرن الماضي وخلع عليه معناه. ثم أخذه عنه المثقفون العرب وغير العرب حتى أصبح كونياً. والواقع أنه إذا ما نظفنا المصطلح من وسخ الشعارات الديماغوجية والامتثالية التي لحقت به إبان المرحلة السابقة وجدنا أنه لا يزال صالحاً للاستخدام، وأن له معناه وجدواه حتى في وقتنا الحاضر.
فلا يوجد مثقف كبير في التاريخ إلا وكان ملتزماً بقضية ما تخدم إنسانية الإنسان بشكل من الأشكال او تتعاطف مع آلامه وعذاباته. فالفارابي تحدث عن المدينة الفاضلة، وابن رشد قدم أفضل مصالحة بين الدين والعقل في عصره، والمعري انتقد بشدة وتهكم عبقري الكثير من الخرافات والمعتقدات الدوغمائية المسيطرة، وطه حسين قال إن التعليم الحر والمستنير حق لكل الناس في مصر والعالم العربي كالماء والهواء، الخ.. وأما في الغرب فإن كبار الفلاسفة كانوا ملتزمين أيضاً حتى وهم أحرار كل الحرية. فديكارت بلور المشروع العلمي الذي جعل الإنسان سيداً على الطبيعة ومالكاً لها. وكانط سار على نفس الطريق، وكذلك هيغل وبقية العقلانيين.
وقبلهم كان جان جاك روسو أول من فضح نظام الامتيازات الفاحشة التي تتمتع بها الطبقات الإقطاعية في المجتمع وتحرم منها الفئات الشعبية. وسارتر نفسه وقف ضد بلاده أثناء حرب الجزائر وفضح آليَّات النظام الاستعماري البغيض الذي مارسته فرنسا هناك لسنوات طويلة والذي كان لشارل ديغول شرف تخليصها منه. وقد عرَّض نفسه للخطر الأعظم، أي للاغتيال، أكثر من مرة بسبب ذلك. وبالتالي فديغول نفسه مثقف ملتزم وسياسي ملتزم من أعلى طراز.
والآن يجيء جان زيغلير، المفكر والسياسي السويسري، لكي يمشي على نفس الطريق. فهو يكرس حياته كلها لقضية واحدة: محاربة الجوع في العالم عن طريق فضح آليات الاستغلال الذي تمارسه الرأسمالية المعاصرة على العالم بأسره. وهو لا يحارب العولمة في المطلق وإنما فقط شكلاً من أشكالها. فالعولمة لها فوائد أيضاً وليست شراً كلها. ومن أهم فوائدها أنها شكلت وعياً اجتماعياً عالمياً أو ضميراً كونياً بفضل وسائل المعلوماتية الحديثة التي خلقتها: كالفاكس، والانترنت، والبريد الإلكتروني، والفضائيات، والهاتف المحمول، الخ،... وهكذا أصبحت أصغر مجاعة أو مجزرة في العالم تنتقل أخبارها بسرعة البرق إلى زوايا العالم الأربع. هذا في حين أنها كانت في الماضي تحصل بدون أن يسمع بها أحد الا بعد اشهر او سنوات.
ولد جان زيغلير في سويسرا عام 1934، أي أنه تجاوز السبعين الآن، ولكنه لا يزال ناشطاً في مجال الدفاع عن المحرومين في إفريقيا أو آسيا أو أمريكا اللاتينية أو حيثما وجدوا. وكان نائباً اشتراكياً أكثر من مرة ثم أستاذاً لعلم الاجتماع في جامعة جنيف، ثم مؤلفاً لكتب عديدة أحدث ضجة في الآونة الأخيرة. نذكر من بينها كتابه: أسياد العالم وأولئك الذين يقاومونهم (2002)، ثم: إمبراطورية العار والشنار (2005) والمقصود بها إمبراطورية العولمة الرأسمالية اللاإنسانية. وهي في رأيه المسؤولة عن تجويع 826 مليون إنسان على وجه الأرض: ثمانمئة وستة وعشرين مليوناً! ولهذا السبب عينوه مؤخراً المقرر العام للأمم المتحدة: أي المسؤول عن تقديم تقرير سنوي عن حالة التغذية وشؤون الجوع في العالم.
إن أهمية جان زيغلير تعود إلى أنه فضح آليات الاستغلال على نطاق العالم كله: أي كيفية سيطرة شركات العولمة المتعددة الجنسيات على ثروات البشرية. وثلاثة أرباعها تقريباً أميركية والربع الباقي أوروبية ويابانية. وأما بقية دول العالم فلا يتركون لها إلا الفتات.. وعن هذا الوضع الظالم والقاهر الذي لا يمكن الإفلات منه تنتج أكبر مجزرة في التاريخ: أي مجزرة المجاعة التي تحصد يومياً (قلت يومياً لا شهرياً ولا أسبوعياً) مئة ألف شخص!
هذه هي فضيحة العصر. بل إنها أكبر فضيحة في التاريخ. ولكن لا أحد ينتبه إليها أو يهتم بها. الجميع يتحدثون عن مجزرة اليهود (المحرقة)، أو مجزرة الأرمن، أو المجازر الإفريقية في رواندا، أو مجازر كمبوديا، الخ، ويعتبرونها مجازر ضد الإنسانية. ومعهم الحق، فهي بشعة وينبغي أن تدان بكل قوة. ولكن لا أحد يتحدث عن مجزرة أكبر منها جميعاً بكثير، لا أحد يتحدث عن مجزرة المجازر: أي مجزرة الجوع الذي يقتل سنوياً 30 مليون شخص ويترك مئات الملايين الأخرى على حافة القبر. وهم الذين نراهم أحياناً كهيكل عظمي على شاشات التلفزيون في الصومال، أو بنغلاديش أو موريتانيا أو إفريقيا فنشيح البصر عنهم أو نغير القناة التلفزيونية فوراً لاننا لا نستطيع تحمل مرآهم.
ولماذا كل هذا الجوع؟ بالطبع فإن منظّري الرأسمالية العالمية منذ أيام مالتوس السيئ الذكر يقولون لك بأن التزايد السكاني أصبح زائداً عن الحد ويتجاوز مقدرة الكرة الأرضية على تحمله فهي لا تستطيع أن تطعم جميع الأفواه. وبالتالي فلا بأس أن يموت قسم من البشر لكي يحيا القسم الأكبر. ولكن المقرر العام لشؤون التغذية في العالم جان زيغلير يقول لك هذا كذب وافتراء. فهو يبرهن بالدليل القاطع على أن البشرية لم تكن غنية في يوم من الأيام مثلما هي عليه اليوم، وأن الكرة الأرضية قادرة على إشباع اثني عشر مليار شخص: أي ضعف سكان العالم حالياً.
وبالتالي فالحق يقع على الاستغلال الرهيب الذي يمارسه القوي على الضعيف، أو الغني على الفقير، أو دول الشمال على دول الجنوب. فمقدرة الأرض على إطعام سكانها ازدادت أضعافاً مضاعفة قياساً إلى العصور السابقة بفضل تطور العلم والتكنولوجيا التي تعرف كيف تستغل خيرات الأرض وتستخرجها من باطنها. بالطبع هذا الكلام لا ينفي مسؤولية الانظمة الفاسدة في العالم الثالث عن المجاعات وافقار العدد الاكبر من السكان. فالحق لايقع على الطليان كله.
بعد أن فضح جان زيغلير الكيفية التي تمص بها الشركات الرأسمالية الكبرى دم العالم، وبعد أن أشار إلى الدور السلبي الذي تلعبه البنوك السويسرية في هذه العملية، فتحوا عليه النار في بلاده واتهموه بالخيانة ومحاولة تشويه صورة سويسرا في الخارج وحاولوا سحب الحصانة النيابية عنه وملاحقته في المحاكم. ولكنه لم يتراجع عن رأيه وظل مثابراً على قضيته. ثم قال كرد على هؤلاء: أنا لا أهاجم سويسرا. أنا سويسري وطني بالمعنى الحرفي للكلمة.
أنا أحب سويسرا، وتاريخها، ومناظرها الخلابة، ودساتيرها الرائعة وديمقراطيتها المتقدمة واحترامها لحقوق الإنسان داخل أراضيها بشكل لا مثيل له. فهي بلد حضاري جداً بل وربما كانت أرقى بلد حضاري في العالم. ولكني أهاجم الأوليغارشية الحاكمة التي تحرف سويسرا عن مسارها الطبيعي وتسيء إلى سمعتها العالمية عن طريق تحويلها إلى كهف لـ (علي بابا والأربعين حرامي) الذين يسرقون ثروات الشعوب، وبخاصة شعوب العالم الثالث، فمعظمها موجود الآن في بنوك جنيف، وزيوريخ، ولوزان، الخ...
ثم يختتم جان زيغلير كلامه بالحكاية الشخصية التالية: في أحد الأيام كان راكباً القطار بين مدينتين بسويسرا وفجأة وقع على أحد أصدقائه من مديري البنوك الكبار. وعلى الرغم من الخصومة الكائنة بينهما إلا أن الحديث ابتدأ وتشعب على وقع أقدام القطار الذي ينهب المسافات. وفي أثناء ذلك اعترف مدير البنك بأنه يتلقى كل شهر مبلغ مليون فرنك فرنسي من أحد المسؤولين في دولة عربية. وقال له بأن الرجل يودعها عنده من أجل تأمين مستقبل (المدام والأطفال) لأنه لا أحد يعرف ماذا سيحدث في مستقبل الأيام.. ثم سأله مدير البنك: هل تريدني أن أرفض هذا المبلغ؟ أنا رجل بنوك ومهمتي تكمن في إيداع المبالغ عندي ولا أستطيع أن أرفض أي مبلغ من أي جهة جاء. ثم أردف قائلاً: وهذا ليس شيئاً يذكر بالقياس إلى المليارات التي تودع عندنا كل عام. هذا مبلغ بسيط لا يليق الا بموظفي الدرجة الثانية او الثالثة.
كاتب سوري ــ باريس