أخفقت الإدارة الأميركية في حروبها العسكرية والسياسية الاستباقية واللاحقة في المنطقة باعتراف حتى الأميركيين من خارج دائرة المحافظين الجدد.
هذه حقيقة دامغة يفترض بإدارة بوش أن تقرّ بها كما هي، ودفعة واحدة وليس بالتقسيط كما تحاول أن تفعل. هذا إذا كانت هذه الإدارة تريد فعلاً أن تعترف بأخطائها أمام الأميركيين أولاً، وأمام الشعوب العربية والإسلامية ثانياً، قبل خروجها من البيت الأبيض بعد أقل من سنتين، وقبل أن تبدأ المحاسبة الفعلية عن مسوّغات هذه الحروب، وأسباب الإخفاق فيها.
ظاهر الحال يشير إلى أن المحافظين الجدد يسيرون في الاتجاه الآخر، ويرون أنه مازالت لديهم قدرات تمكنهم من الالتفاف ومعاودة الهجوم ولو بطرق مختلفة، معتمدين هذه المرة على عاملي الطائفية والمذهبية، وعلى تأليب الفرقاء بعضهم على بعض، عبر محاصرة هذا الفريق مثلاً وتركيز هجمات إعلامية عليه، ودعم فريق آخر سياسياً ومالياً. وهو ما يحدث فعلياً في الأراضي الفلسطينية ولبنان على سبيل المثال بشكل واضح ومرئي من الجميع: متابعين وأناساً عاديين.
وهناك عشرات الأدلة التي تشير إلى أن إدارة بوش أرادت من خلال هذا النهج إلقاء آخر وأخطر أوراقها على الطاولة مباشرة، والبدء بالمساومة عليها، وصولاً إلى نصر موهوم لم تستطع تحقيقه بالقوة العسكرية، وباحتلال دولتين، متناسية تجارب الاستعمار القديم والحديث، المؤكدة أن الأمم لا تؤخذ بمثل هذه السياسات، وإن أخذت فلأوقات قصيرة جداً.
على هذه القاعدة من الحروب الغوغائية غير التقليدية يجد بوش رئيس الدولة الأعظم في عالم اليوم والغارق حتى أذنيه في انتكاسات داخلية سياسية واقتصادية، وقتاً كافياً لديه لتمجيد هذا الزعيم اللبناني أو ذاك من فريق 14 شباط، وتسليط الضوء بشكل واف عليه أسبوعياً إن لم يكن يومياً، كما يجد من الوقت ما يكفي للدخول مباشرة على خط الاقتتال الفلسطيني، والوقوف على تفاصيل التفاصيل، بهدف التأمين على انكسار حركة حماس وحكومتها الناتجة عن انتخابات ديمقراطية مشهودة. وما أدلّّ على ذلك من الأموال والأسلحة والاستشارات التي تقدمها إدارته لهذا الغرض.
ويمكن أن يقاس على ذلك ما يحدث في السودان والصومال وغيرهما من البلدان العربية. أما ما يحدث تجاه إيران من تهديد ووعيد وحصار وحشد عسكري وسياسي وإعلامي فله حسبة أكثر تعقيداً، وأبعد مدى.
إذاً ألقت إدارة بوش بكل أوراقها، وبدأت التلاعب بالنسيج القومي والديني والاجتماعي للمنطقة، وأدخلت أنفها في أصغر الأمور، متجاهلة مهام الدولة العظمى، ومتجاوزة آداب السلوك، وأخلاقيات العمل السياسي، ومع ذلك فكل شيء يؤكد أنها تدس نفسها في نفق مغلق، سيكون أشدّ وطأة عليها من الحروب العسكرية، وهذا ما يبهج صدور خصومها من الديمقراطيين الذين يرون أن ظروف توجيه الضربة القاضية إليها باتت قريبة جداً.