من غرائب أنظمة الحكم في العالم أنها لا تخضع لدولة متقدمة تسن تشريعات على مستوى عال من الانضباط ومعايشة العصر، وأخرى تنخفض لديها مستويات التنمية واتساع القوانين، لكنها تسبق الدول المتقدمة في ميادين نظام الحكم، وخاصة إعطاء النساء الكراسي العليا في الدولة.
فدولة مثل سريلنكا، وبنجلاديش، وباكستان، وهي من الدول التي تشكل الأرقام الدنيا في الأداء الاقتصادي، سبقت بلداناً في أوروبا وأميركا في تنصيب سيدات في رئاسة مجلس الوزراء، وإذا ما أضفنا إليها أندونيسيا والفلبين، فإن قارة آسيا لها الأسبقية في هذه الإجراءات، بالرغم من الفساد والنقص الحاد في تطبيق النظم الديموقراطية التي تفخر بها الدول المتقدمة..
قارة أفريقيا والتي معظم حكوماتها وشعوبها تقع في قاع السلم العالمي من حيث تنامي الفقر والأمراض، والحروب التي أنتجتها عوامل الجهل، والأمية، لديها قابليات حسم خلافاتها بالعديد من التشريعات، حتى أن تشكيل لجنة حكماء من عدة دول تحاكم الخصومات لفك النزاعات، سبقت فيها الدول العربية ذات الديانة واللغة الواحدة، والالتصاق الجغرافي والتراث، وكل عوامل الوحدة لم تستطع إقامة لجنة مماثلة لما قامت به الدول الأفريقية، وهذا يسجل لتخلفها سياسياً رغم كثرة الشعارات، والأحاديث عن التضامن، والدفاع المشترك، والتجارة البينية، إلى آخر أصوات (الأسطوانة) المشروخة..
هناك من يقول إن في صلب الرؤية العامة الاجتماعية في أميركا، أنه من المستحيل وصول رئيس الجمهورية من عِرق أسود، أو من فصيل النساء، على الرغم من خوض هيلاري كلينتون رئيسة للولايات المتحدة الأميركية في فترة ما بعد الرئيس بوش كتجربة أولى، ما لم تحدث مفاجآت تزيحها عن الوصول لذلك الكرسي كنتيجة راسخة في عقل المرشح من رفض لحكومة ترأسها امرأة..
الموضوع لا يتصل فقط بالفصل بين الجنسين، وإنما بثقافة المجتمع وعلاقته بإرث التقاليد القديمة التي سجلت في التاريخ أكبر قهر وتمييز للمرأة رغم أن التاريخ فيما يرويه (انجلز) أحد أعمدة النظرية الماركسية، يقول إنه في عصر الاشتراكية المشاعة، والبدائية، كانت المرأة هي مصدر السلطات ومشرعها.
وبصرف النظر عن صدق أو كذب هذه الرواية، فإن التطور الاجتماعي لم يتخلص من الفصل العنصري، إلا لوقت قريب، حيث شهدت كل الحضارات والمجتمعات عناصر منبوذة مورست عليها كل صفات وسلوكيات التعسف، ولا يزال في قلب الدول المتقدمة حضارياً، نصيب من الماضي بقي شاهداً على تخلفها في بعض السلوكيات..