بهدوء وبدون ضجة أو دعاية يسجل الوفد الأمني المصري رفيع المستوى الموجود في الاراضي الفلسطينية نجاحا جديدا ويسهم في وقف نزيف الدم الفلسطيني الذي سال خلال الأيام القليلة الماضية بشكل جعل كثيرين يتساءلون ماذا يريد الاخوة الفلسطينيون بالضبط.. دولة فلسطينية مستقلة أم سلطة لا حول لها ولا قوة سوى تأجيج الاقتتال الفلسطيني ـ الفلسطيني؟
لقد نجح الوفد المصري أمس الأول في التوصل الى اتفاق لوقف اطلاق النار بين عناصر فتح وحماس ودخل الاتفاق بالفعل حيز التنفيذ في اليوم نفسه ثم نجح الوفد مرة أخرى في تأمين تبادل الافراج عن جميع المختطفين من عناصر كل طرف لدى الطرف الآخر.
وهذه كلها انجازات يمكن ان تشكل بداية حقيقية لعودة المصالحة الفلسطينية ـ الفلسطينية شريطة أن يتحمل كل طرف المسئولية كاملة ازاء ما يحصل وأن يدرك الجميع أن أي خطوة للوراء ستعتبر انتكاسة للتوافق الوطني الفلسطيني وتهديدا للاستقرار الأمني الفلسطيني.
وإن الساعات الطويلة والجهود المضنية التي يبذلها أعضاء الوفد رفيع المستوى هي رسالة الى كل الاطراف بأن مصر الشقيقة الكبرى لن تتخلى عن مسئولياتها ودورها ولن تركن الى أسلوب اصدار البيانات والمناشدات الداعية الى التهدئة والوئام ورص الصفوف ولكنها اختارت وستختار دائما الطريق الشاق المجهد المتمثل في الوجود في قلب الحدث والعمل بدأب وهدوء من أجل تذليل الصعوبات وحل المشاكل.
والأهم ان الرعاية المصرية لجهود لم الشمل الفلسطيني تجري وسط يقين تام من جميع الأطراف الفلسطينية بأن مصر تقف على المسافة نفسها من جميع الأطراف ولا تنحاز لهذا الطرف على حساب ذاك. كما أنها لا تستهدف احراز نقاط أو مكاسب سياسية أو دعائية لأنها, أي مصر, تعتقد أنها أكبر من المكاسب المؤقتة أو الدعايات التي لا تلبث أن تنتهي دون تأثير أو بصمة واضحة على سير الأحداث.
لكن الجهود المصرية من أجل أن تنجح وتحقق ما تصبو اليه يجب أن تجد في المقابل أطرافا راعية ولديها الارادة والتصميم على تسوية مشاكلها والتركيز على القضايا الحقيقية التي تهم الشعب الفلسطيني وليس الدخول في منافسات ونزاعات فئوية أو شخصية لن يستفيد منها أحد سوى الاحتلال الاسرائيلي.
ثم إن هذا النزاع والاقتتال قد أنسى كثيرين في العالم القضية المركزية وهي الاحتلال فأصبح التركيز على دوامة العنف الفلسطيني الفلسطيني وعلى الخلافات حول تشكيل حكومة الوحدة الوطنية وأيضا على ما إذا كانت هذه القوة شرعية أم لا.
ولأن هذه القضايا جرى تضخيمها من جانب مسئولين فلسطينيين وفي الاعلام العربي والدولي ظهرت وكأنها تختزل القضية الفلسطينية بمعنى ان التوصل الى حلول بشأنها كفيل بتسوية المشكلة المركزية الكبرى وهو أمر غير صحيح بالمرة.
ان تسوية هذه الخلافات بين الفصائل الفلسطينية ليست سوى البداية بل انها بداية البداية نحو توجه فلسطيني موحد لحل القضية فاسرائيل تتخذ من هذه الخلافات ذريعة للقول بأنه ليس هناك شريك فلسطيني جدي يمكن التفاوض معه وللأسف, فان اطرافا دولية عديدة أصبحت تميل الى وجهة النظر الاسرائيلية تلك نتيجة الفشل الفلسطيني المتواصل في تنحية الخلافات الداخلية جانبا,
وفي هذا الاطار يكتسب الدور المصري أهمية قصوى وهي أهمية يشعر بها الفلسطينيون قبل غيرهم فلولاها لكان النزاع قد تفاقم وأرقام الضحايا قد ارتفعت لكن هذا الدور مع ذلك ليس سوى عامل مساعد يمكنه أن يدفع باتجاه المصالحة والتوحد, أما العامل الأساسي فهو الفلسطينيون أنفسهم الذين عليهم أن يساعدوا أنفسهم ويساعدوا الوفد المصري في تحقيق الهدف المشترك وهو صون الدم الفلسطيني وتهيئة المناخ للحصول على الحقوق المشروعة.
إن الطريق واضح ودور الوفد المصري أن يساعد في انارته وتمهيده لكن الذي سيسير عليه هم الفلسطينيون وحدهم.