أخيراً وقع المحظور على أرض فلسطين المقدسة واقتتل الفلسطينيون وسقط قتلى وجرحى ولم تحترم الأطراف الفلسطينية المتقاتلة ما أعلنت عنه مراراً وتكراراً عن حرمة الدم الفلسطيني الذي كان خطاً أحمر في يوم تاريخ النضال الفلسطيني.

هل إذا مات زعيم أو رمز وطني تموت معه القيم والعادات الأصيلة والمحرمات؟

فبعد استشهاد الرئيس ياسر عرفات واستشهاد المجاهد أحمد ياسين يبدو أن القوى الفلسطينية المختلفة أسقطت الأمل في أن يبقى التناقض الأساسي للشعب الفلسطيني وقياداته ورموزه وقواه السياسية مع قوى الاحتلال والاضطهاد، وتحولت الأوهام السياسية عند طرف فلسطيني والمناصب الواهنة عند طرف فلسطيني آخر هي الهم والهدف في فلسطين المحتلة.

يتساءل المرء عن الأسباب التي أدت إلى الاقتتال الفلسطيني ـ الفلسطيني في الوقت الذي يدرك كل فلسطيني وعربي أن أسباب الاقتتال غير مقنعة أو كافية لحدوثه. فهل هناك دولة فلسطينية ذات سيادة ليتصارع المتصارعون؟ وهل يتمتع الشعب الفلسطيني بالاستقلال والحرية ولا يعاني من احتلال كالاحتلال الإسرائيلي الفريد من نوعه في التاريخ المعاصر؟

أم أن المتقاتلين على أرض فلسطين يتمتعون بحرية الحركة والتنقل والقرار والمبادرة والسيادة الشخصية والسيادة التنظيمية ولذلك هم يرفضون التنازل عن هذه الحقوق المكتسبة؟ وهل يكفي أن نقول إن المتقاتلين يبررون اقتتالهم بالقول أن الاحتلال الإسرائيلي والدول الكبرى والحصار المادي والسياسة المزدوجة من قبل المجتمع الدولي هي أسباب مباشرة لما آلت إليه الأوضاع الخطيرة في فلسطين المحتلة؟

الحقيقة الأليمة هي أن الأرض الفلسطينية كاملة بما فيها مدينة القدس تقبع تحت الاحتلال الإسرائيلي وأن الشعب الفلسطيني يعاني منذ أكثر من ثلاثين عاماً من الاحتلال والقمع والاضطهاد والحصار وأن الوقائع الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية والمتغيرات الإقليمية والدولية تثير الرعب والخوف وتقتل الأمل في إمكانية عودة كامل الحقوق الوطنية الفلسطينية.

فمدينة القدس أصبحت محاصرة تماماً من كل الجهات بالمستوطنات اليهودية الكبيرة والاستراتيجية وسلطة الاحتلال الإسرائيلية تسير بخطى متسارعة لتغيير الكثير من الحقائق التاريخية والديمغرافية كجزء من عملية تهويد المدينة المقدسة، ولا شك أنها نجحت كثيراً في هذا المجال. فالواقع الديمغرافي اليوم يشير إلى أن عدد المستوطنين اليهود في مدينة القدس الشرقية تجاوز 000 ,200 مستوطن مقابل 000 ,170 مواطن فلسطيني. وهنا نسأل ما هي الآليات المتوفرة لدى القوى الفلسطينية المتصارعة لإخراج المستوطنين من المدينة المقدسة؟

أما في الضفة الغربية فقد بلغ عدد سكان المستوطنين اليهود أكثر من 000 ,250 مستوطن يهودي يقطنون في مستعمرات استراتيجية وليست سياسية حسب التصنيف الإسرائيلي مما يعني أن سلطات الاحتلال الإسرائيلية لا تنوي ترحيل هؤلاء المستوطنين إلى داخل الخط الأخضر وأنهم باقون هناك حتى يتم إعادة رسم حدود الدولة العبرية الجديدة.

ويذكر أن الرئيس الأميركي جورج بوش ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق آرييل شارون قد توصلا وأعلنا صراحة أنه من غير المعقول أو المنطقي أن تنسحب إسرائيل إلى ما وراء حدود 1967 في أية تسوية سياسية نهائية بين الفلسطينيين والإسرائيليين. والدليل الواقعي والعملي على هذا الأمر هو أن إسرائيل شارفت على الانتهاء من بناء الجدار العازل في أراضي الضفة الغربية الذي هو بمثابة الحدود الرسمية لدولة إسرائيل.

وهناك الآن العديد من المعابر الحدودية بين الضفة الغربية وإسرائيل وبين مدينة القدس والضفة الغربية تجسد هذا الواقع الجديد. ونسأل المتصارعين في فلسطين المحتلة عن برنامجهم النضالي والسياسي والأدوات العملية التي تتوفر لديهم لرفض الواقع الإسرائيلي الجديد في الأراضي الفلسطينية؟

طبعاً لا يجب أن ننسى ملف المياه الجوفية في الضفة الغربية وهو ملف استراتيجي وحيوي بالنسبة للإسرائيليين، ولا ننسى ملف اللاجئين الفلسطينيين وهو خط أحمر عند جميع الإسرائيليين بمن فيهم القوى اليسارية المعتدلة، ولا ننسى مسألة الحدود ومنطقة الأغوار عند نهر الأردن وهي مسألة غير قابلة للتفاوض عند الإسرائيليين لأهميتها الاستراتيجية والأمنية. ونسأل المتصارعين الفلسطينيين ماذا حضروا من أوراق تفاوضية تمكنهم من تغيير هذه الحقائق المؤلمة والصعبة؟

وإذا أردنا أن نبتعد قليلاً عن المسائل الاستراتيجية الهامة ونظرنا إلى المسائل اليومية كسفر المواطنين الفلسطينيين من مدينة إلى مدينة أخرى في الضفة الغربية أو إلى قطاع غزة والسفر إلى خارج الأراضي الفلسطينية والمعابر والمطار والتعليم والصحة والإسكان والكهرباء والمياه وغيرها من الخدمات الأساسية للمواطن الفلسطيني نرى أن كل ذلك هو بيد سلطة الاحتلال بشكل كامل.

حتى إن المسؤولين الفلسطينيين وكبار الشخصيات الفلسطينية لا يملكون قرار تنقلاتهم في الداخل أو إلى الخارج العربي والدولي إلا إذا سمحت لهم سلطة الاحتلال الإسرائيلي بذلك. ونسأل ماذا يمكن للمتصارعين الفلسطينيين أن يفعلوا لتحسين شروط المعيشة اليومية ولو بمقدار قليل؟

إن قضية فلسطين هي قضية تاريخية وعقائدية معقدة جداً ولن يستطيع أي طرف فلسطيني مهما عظم حجمه السياسي والتنظيمي أن ينتصر أو حتى يصمد أمام المحتل الاستيطاني الاقتلاعي الذي يهدف ويعمل منذ أكثر من مئة عام للاستيلاء على الأرض المقدسة من نهرها إلى بحرها على أقل تقدير. لقد خاض الفلسطينيون معارك عديدة وانتفضوا في أكثر من مرة منذ الثلاثينات وحتى هذا القرن الجديد وقدموا كل ما يمكن تقديمه من تضحيات جسيمة فداء للحرية والاستقلال والسيادة.

كما خاض الفلسطينيون محادثات سلام وقدموا الكثير من التنازلات السياسية والاستراتيجية في محاولة للحصول على الحدود الدنيا من الحقوق الوطنية التي حددتها منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وبمباركة عربية وإسلامية ودولية. ولكن النضال الفلسطيني بكل أشكاله لم ينجح حتى الآن في الحرب والسلم وسيستمر هذا النضال ويجب أن يستمر حتى استعادة الحقوق الوطنية كاملة.

ولكن ما يجري الآن في الأراضي الفلسطينية المحتلة من اقتتال فلسطيني يقتل الحلم الفلسطيني ويحقق ما أرادت وسعت من أجله الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ولا يخدم إلا المشروع الإسرائيلي الهادف إلى السيطرة الكاملة على مصير الشعب الفلسطيني وأرضه المقدسة.

نناشد جميع القوى الفلسطينية وقياداتها بدون استثناء أن تعي المخاطر الحقيقية المحدقة بالشعب الفلسطيني وأن لا ترهق هذا الشعب وتستنفد قواه بمسائل جانبية وشكلية لا أساس لها على أرض الواقع طالما بقيت الأرض محتلة والمقدسات مدنسة والشعب محاصر.

إن الضمير الوطني والديني الحي والسوي لا يقبل الأعذار والحجج والذرائع لما حدث ويحدث ويمكن أن يحدث في المستقبل لأن قضية فلسطين كانت ولا تزال قضية احتلال وحصار ومقدسات وليست قضية وزارات وسلطة وحكم وسياسة. وأين هي السيادة الوطنية عندما يتحدث البعض عن وزارات سيادية وأين السيادة عندما يتحدث البعض عن نتائج انتخابات تحت سلطة الاحتلال وأين السيادة عندما يحتاج الجميع بدون استثناء الحصول على تصريح إسرائيلي للخروج من حي إلى حي آخر داخل المدينة نفسها.

اتقوا الله جميعاً يا قادة فلسطين وأعلموا أن الأوطان لا تتحرر إلا عندما يتم تحديد الهدف السياسي والنضالي ويتوحد الجميع من خلال برنامج سياسي واحد وكتيبة عسكرية واحدة وإعلام واحد وقيادة واحدة. فهل يعقل بعد أن قسم المحتل الإسرائيلي الضفة الغربية إلى 24 منطقة وقطاع غزة إلى ثلاث مناطق وأصبح الشعب الفلسطيني مقسما إلى عرب الـ 48 وسكان القدس وسكان الضفة الغربية المقسمة وسكان قطاع غزة المقسم واللاجئين في المنافي العربية والأجنبية أن يختلف القادة على البرنامج السياسي والوزارات والانتخابات المبكرة.

كاتب وباحث سياسي

isam997@hotmail.com