ما جاء في تقرير «منظمة القوات الطبية الدولية» الأميركية، حول ظاهرة النزوح المتفاقم من بغداد، يشكل إنذاراً بهجوم خطر الفرز السكاني على العاصمة، وما ينطوي عليه من تهديد قاتل لوحدة المدينة وبالتالي لوحدة البلد.

الأرقام والوتيرة، مع طبيعة الغربلة السكانية الجارية، كلها تنذر بخلق واقع على الأرض تصبح معه محاولات لملمة أشلاء الجسم العراقي عملية بلا جدوى، كما إنها تستحضر شبح التطهير الذي ابتليت به بلدان دفعت ثمنه أنهاراً من الدم، قبل أن يتفكك وينتهي إلى كيانات فئوية وطائفية.

ذكر التقرير أن أكثر من نصف مليون عراقي تركوا ديارهم في بغداد، خلال العام الماضي وحده. والتقديرات أن أكثر من مليون عراقي قد يضطرون إلى النزوح قبل الصيف المقبل! أي في غضون خمسة أشهر من اليوم، يكون ثلث العاصمة العراقية قد رحل من أماكن ومناطق سكنه.

ولوحظ أنه خلافاً لعمليات النزوح السابقة، يبدو الرحيل الجاري حالياً أنه من النوع الدائم، الذي لا رجعة فيه. الديار يجري التخلي عنها أو بيعها. وحسب الأمم المتحدة هناك 1,7 ملايين نازح داخل العراق، يضاف إليهم مليونان هاجروا إلى خارج العراق. حراك سكاني قسري من الصنف الذي يحصل بفعل الكوارث الطبيعية العاتية أو الحروب المدمرة. وبذلك فهو يؤشر إلى وجود أزمتين عاتيتين. . إنسانية ووطنية. كلاهما مفجع، فهناك أزمة لاجئين متفاقمة. يواكبها تمدد سرطان التقسيم على أساس طائفي مذهبي.

وتأخذ تداعيات هذا الوضع أبعادها الكارثية الهائلة، عندما يكون ذلك حاصلاً وسط استفحال موجة العنف وتصاعد انفلاتها؛ على الرغم من كل الخطط والإجراءات والمحاولات الأمنية، التي جرى اتخاذها وتنفيذها. الأمر الذي يفيد مرة أخرى، بأن التعويل على المخرج الأمني وحده لم يكن كافياً على الأقل حتى الآن، لوقف التدهور الذي استبد بالعراق وتسبب بنزف؛ يصعب الاستمرار في احتماله. والأخطر أنه مفتوح على المزيد من الفتك بالساحة العراقية. خاصة وأن العملية السياسية لم تتعثر فحسب، بل دخلت في مزيد من التعقيد والانسداد.

تقرير هذه المنظمة الخيرية وضع أزمة النزوح في إطارها وسلط عليها الأضواء من كافة الجوانب: الحجم والتداعيات. وأهم شيء المدلولات، وهذه الأخيرة مليئة بالتحذيرات من واقع يجري نحته، وبما يصبح من شبه المستحيل تغييره أو إزالته. وفي ذلك ـ أي التحذير ـ صرخة للاستدراك والاستباق المستعجل من أجل وقف الزحف النزوحي الجاري، والوضع لا يحتمل ترف الانتظار.

الوقت فسحته ضيقة، ولحظة المعالجة الآن وليس غداً، فمن الصعب إن لم يكن من المستحيل تصحيح هكذا خلل بعد وقوعه، وحتى إذا جرى التصحيح فإن الجروح تبقى عميقة لفترة طويلة من الزمن. حالات عديدة شهدتها العقود الأخيرة في أكثر من بلد، تؤكد ذلك. القوى العراقية التي تتحدث وتعمل على تعزيز مسيرة العملية السياسية مطالبة أولاً وأخيراً بمحاصرة وتطويق هذا الخطر، وإلا فكل ما تحققه إذا تحقق يبقى عرضة للانهيار. عراق موحد لا تستقيم إقامته مع تفاقم النزوح الطائفي.