كثرت الكتابات في العالم حول التأثير السياسي لقوة الصين الاقتصادية الصاعدة. وقد أثارت هذه الكتابات لدى البعض في عالمنا العربي تساؤلات حول مدى نجاح الصين في تحدي الهيمنة الأميركية والمساهمة في بناء عالم متعدد الأقطاب وربما مواجهة أميركا وإضعافها.
فالصين التي نجحت في انتقالها التدريجي منذ عام 1978 من النظام الموجه إلى نظام الاقتصاد الحر من دون انهيار اقتصادها أو هزات اجتماعية كالتي واكبت التحولات الاقتصادية في دول أخرى مثل الاتحاد السوفييتي، استطاعت أن تحقق انجازات باهرة بمعدلات نموها لأكثر من عقدين وأن ترفع حصة تجارتها الخارجية لتصبح ثالث أكبر مصدر للسلع في العالم.
ويرى المحللون أن تطور العملاق الصيني إنما جاء في ظل ظروف عالمية مختلفة، وان درجة الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين الصين والولايات المتحدة تطرح عناصر مستجدة في إطار العلاقات الدولية لم تكن في ظروف الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي.
وبالتالي فإنه من السابق لأوانه فهم الوقائع السياسية الجديدة التي فرضتها العولمة، إلا ان التحولات سوف تطرح صراعاً جديداً في العالم قد تختلف أدواته وأساليبه بحيث يصبح صعباً تصور كلفة إيقاف أي علاقات ثنائية بين طرفين وتحولها إلى صراع حقيقي.
فكيف بالنسبة لبلدين تربطهما علاقات وثيقة مثل الصين والولايات المتحدة؟ فالعلاقات الصينية الأميركية في تطور متصاعد منذ عام 1990 وتشمل تبادل السلع والرساميل والتكنولوجيا والأشخاص والمعلومات، ونموها في اعتماد متبادل على الاقتصاديات الغربية وعلى استثمارات الشركات العابرة وخاصة الأميركية، في حين يذهب 320 مليار دولار من احتياطيات الصين البالغة 900 مليار دولار إلى سوق السندات الأميركي ويغطي إلى حد بعيد العجز التجاري الأميركي الذي تسببه صادراتها. وبالتالي فإن البلدين الآن في حالة من الترابط الاقتصادي المتبادل مما يحول دون انفلات حالة التوازن القائمة.
وتشير صحيفة «لوموند» الفرنسية أن أي أزمة مع أميركا سوف تكلف الصين 37% من سوق تصديرها، هذا دون إضافة الخسارة التي قد تنشأ مع شركائها التجاريين كاليابان وكوريا وتايون الداعمة للولايات المتحدة والتي تشكل نسبة 40% من المنتجات المتقدمة تكنولوجيا ذات المنشأ الصيني.
وهناك من يعتقد ان أمام الصين طريقا طويلا في سبيل إثبات قدراتها الاقتصادية الجدية على الرغم من النجاحات التي حققتها. فبالإضافة إلى مشكلة الاعتمادية المتزايدة للصين على السوق الأميركي الذي يستوعب خمس ما يتم إنتاجه للتصدير، تحتاج الصين إلى تطوير قدراتها التكنولوجية قبل ان ترسخ مقومات تطورها الاقتصادي وتحسين مؤشراتها الاجتماعية.
ولكن من الواضح ان هناك قلقا أميركيا من انفلات هذا العملاق الصيني يقابله القلق في الصين لناحية الانتشار العسكري الأميركي في آسيا وزيادة دور اليابان الإقليمي والأمني وحرب التسلح في الفضاء، لكن التخوف الأميركي الحقيقي يأتي أيضا بدرجة كبيرة من الأوضاع الداخلية في الصين نفسها وتأثيرها على الاستثمارات الأميركية ضخمة هناك.
ويشكل النفط أيضا حيزا مهماً من هذه الهيمنة، وربما أكثر من أي مجال آخر يظهر الحد الذي تحاول فيه الصين الانفلات من الشرنقة الأميركية. فالصين التي تنمو بمعدلات باهرة متعطشة إلى الطاقة وحاليا عليها استيراد 40% من حاجتها واستهلاكها من المتوقع أن يزداد سنويا. وتعتمد الصين بشكل كبير على الطاقة من الشرق الأوسط بحوالي ثلثي حاجتها وهذه المواقع بعيدة المدى عنها ويمكن أن تتوقف في أي لحظة من قبل البحرية الأميركية المرابطة في المياه.
لذا تسعى الصين قدر الإمكان إلى تنويع مصادر طاقتها من النفط وإعادة رسم خريطة الطاقة العالمية. وهذا ما يفسر التوجه الصيني إلى الدول الأفريقية المنتجة للنفط او المرشحة لذلك. فهل ستستطيع الصين أن تخرج بنجاح من هذه التجربة وهل تتحمل التحولات الاقتصادية في ظل العولمة ان تبقي العلاقات الأميركية الصينية دون أن تتطور إلى نزاعات حادة؟
وهناك من يتوقع أن تستطيع منطقة شمال شرق آسيا ذات الإمكانيات التكاملية والتي تشهد نمواً الأسرع في العالم على مدى أكثر من عقدين في أن ترسم الطريق نحو الاستقلال عن أميركا على المدى البعيد بالرغم من المحاولات الأميركية لمنع هذا التكتل الاقتصادي من ان يتشكل في هذه المنطقة التي تشكل بحسب تقرير صادر عام 2003 حوالي 30% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي وتملك حوالي نصف الاحتياطيات من العملة وتمثل حوالي نصف الاستثمار الأجنبي المباشر عالمياً ويتوقع لها أن تتحول ليس فقط إلى مركز للتجارة الدولية بل أيضاً إلى مركز للابتكار التكنولوجي مستقبلاً.