فجأة وجد عداء المسافات الطويلة مشير سالم جوهر نفسه بدوناً أو بالمصطلح القانوني من عديمي الجنسية، إذ لم يدر بخلد هذا العداء الكيني الأصل أن زيارته لإسرائيل والاشتراك في ماراثونها الرياضي سيكلفه جنسيته البحرينية التي حصل عليها في العام 2003، فقد احتج اتحاد ألعاب القوى البحريني على تلك الزيارة.

وبناء على ذلك اتخذت الحكومة البحرينية قراراً بسحب جنسية جوهر الذي كان اسمه الأصلي ليونارد موشيرو. ولما كان قانون الجنسية الكيني يمنع ازدواج الجنسية (أي حمل جنسيتين تابعتين لدولتين مختلفتين في آن معاً)، ولما كان أيضاً يعتبر أن من تجنس بجنسية أخرى تسقط عنه جنسيته الكينية، فقد أصبح مشير سالم جوهر في عداد عديمي الجنسية.

ولا شك أن حظ جوهر أفضل من حظوظ 11 مليونا من عديمي الجنسية الذين ينتشرون في مختلف ربوع العالم، حسب منظمة عالمية تعني بحقوق اللاجئين وتتخذ من واشنطن العاصمة مقراً لها. فهو قد حظي بتسليط الأضواء على حالته الشخصية، وهو أيضاً قد صنع لنفسه اسماً وشهرة في عالم الرياضة تمكنه من حل مشكلته بسهولة. أما باقي أقرانه من الملايين المذكورة فهم يعيشون في أوضاع مزرية ويفقدون أبسط الحقوق المدنية. وأسباب ظاهرة انعدام الجنسية كثيرة لعل أبرزها الحروب والنزوح واختفاء الدول وتشكل كيانات سياسية جديدة على أشلائها والهجرة غير المشروعة وغيرها.

والأمثلة على ذلك كثيرة نكتفي بمثالين اثنين. فقد وافقت حكومة سريلانكا في العام 2003 على منح الجنسية لمئة وستين ألفاً من التاميل، وهم أقلية ينحدرون من الهند، وهؤلاء هم جزء من مليون شخص من تلك الأقلية منحوا الجنسية السيرلانكية بموجب اتفاق ابرم بين سيرلانكا والهند بعد حصول الأولى علي استقلالها في العام 1948 (البي بي سي باللغة الإنجليزية 11 يوليو 2003).

وبعد استقلال جمهورية لا تفيا من الاتحاد السوفييتي في العام 1991 وجد أكثر من نصف مليون شخص من أصول روسية أنفسهم عديمي الجنسية، لعدم انطباق قانون الجنسية اللاتفي الجديد عليهم والذي ينص فيما ينص على وجوب إتقان طالب الجنسية اللغة اللاتفية. وقد خلق ذلك القانون مشكلة بالنسبة لعدد كبير من الروس الذين توطنوا في فترات طويلة ذلك الإقليم الذي كان جزءاً صغيراً من إمبراطورية ضخمة اسمها الاتحاد السوفييتي، والذين كانوا يتكلمون لغة الأكثرية وهي الروسية.

ولم ينقذ الأقلية الروسية من ذلك الوضع المأساوي إلا رغبة اللاتفيين الدخول في الوحدة الأوروبية التي كان ثمنها التساهل مع الروس المقيمين في مسألة حصولهم على الجنسية. وقد نظم لهذا الغرض استفتاء عام في سنة 1998 كان نتيجته موافقة 53% على تلك السياسة (البي بي سي 5 اكتوبر 1998).

ولأن حالة البدون أو انعدام الجنسية حالة شاذة من الناحية القانونية، إذ لا بد أن ينتمي كل فرد إلى دولة يرتبط بها برباط الولاء وبالتالي التمتع بحمايتها والامتيازات الأخرى التي عادة ما يتمتع بها المواطن وعلى رأسها حق الإقامة في بلده والعودة إليها في حالة السفر والترحال، فضلاً عن التمتع بالخدمات التي تقدمها الدولة. لهذه الأسباب وغيرها حاول القانون الدولي باتفاقياته المتعددة أن يضع حداً لهذه المشكلة الإنسانية والقانونية أو التخفيف من تأثيراتها الضارة.

فقد اعتبر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في العام 1948 على أن لكل إنسان الحق بالانتماء إلى جنسية، وحاول العهدان الدوليان، الأول والمتعلق بالتعامل مع حالات انعدام الجنسية والصادر في العام 1954 والثاني والذي يتناول خفض تلك الحالات والصادر في العام 1961 أن يمهدا السبيل إلى حل تلك المشكلة العالمية حلاً جذرياً بتشجيع الدول على منح جنسيتها لعديمي الجنسية أو السماح لهم بالإقامة الشرعية في أقاليمها والتمتع بالحقوق المدنية كحق العمل والتعليم والتملك والسفر وغيرها.

ولا يخفى على أحد أن بلدان الخليج العربي تعاني من هذه المشكلة كما بعض الأقطار العربية، وهي تتفاوت في اعترافها بوجود المشكلة وفي مدى سعيها الجدي لوضع حد لها. فقد وضعت دولة البحرين حداً لهذه المشكلة بعملية تجنيس جماعية لعشرة آلاف من عديمي الجنسية في العام 2000. وأعلنت دولة الإمارات العربية في 26 أكتوبر 2006 (أنظر البيان) أنها بصدد تسوية نهائية لقضية عديمي الجنسية والبالغ عددهم نحو عشرة آلاف. وبالفعل تم حل إشكال 1294 فرداً من هؤلاء في غضون شهر (27/11).

ولعل الكويت هي من أكثر الدول الخليجية معاناة من هذه المشكلة، وهي مشكلة يبدو أنها ستأخذ وقتاً طويلاً كي تحل حلاً نهائياً. وكما باقي المشكلات، فإن تسوية أوضاع البدون في الكويت تدخل كورقة ضمن عملية المساومات السياسية من جهة، وعدم تقبل قطاع كبير من الرأي العام الكويتي لفكرة تجنيس البدون خوفاً من تغيير التركيبة السكانية، كما حدث في بداية تطبيق قانون الجنسية في أوائل الستينات، رغم تقلص أعداد هؤلاء من 221 ألفاً قبل الغزو العراقي إلى 88 ألفاً في آخر إحصاء.

وفي آخر تطورات القضية ما أعلنته الحكومة الكويتية منذ حوالي السنة والنصف (سبتمبر 2005) نيتها تجنيس كل من لديهم تعداد 1965 وليس عليهم قيود أمنية. ويقدر عدد الذين كانوا ضمن تعداد العام 1965 حوالي 35 ألف شخص، بيد أن نسبة لا يستهان بها من هؤلاء عليهم قيود أمنية وهي تعاونهم مع القوات العراقية إبان احتلالها للكويت.

ولعل أبرز أنواع التعاون هو الانخراط في الجيش الشعبي العراقي. وهذا مما يحول دون حصولهم على الجنسية. فقوانين الجنسية عموماً تنص على أن المتجنس لا بد أن يكون حسن السير والسلوك ولم يقم بأي عمل عدائي ضد الدولة التي يود التجنس بجنسيتها، إذ لا تقبل أي دولة بمنح جنسيتها إلا لشخص ثبت لديها بشكل قاطع إنه على ولاء لها.

والواقع أن الكثير من البدون في الكويت (من الفئة التي لديها إحصاء 65 أو غيرها) قد خدموا في القوات المسلحة الكويتية وأجهزتها الأمنية المختلفة، والبعض منهم من كان ضمن الأفواج الأولى التي دخلت بعد تحرير الكويت في فبراير 1991 والبعض الآخر ساهم في معارك الأمة العربية التي شارك بها الجيش الكويتي في العام 1967 والعام 1973، فهؤلاء يستحقون الجنسية الكويتية تحت بند «خدمات جليلة»، كما ينص قانون الجنسية الكويتي.

ومنح هؤلاء الجنسية لا يعتبر بدعة، فالخدمة في جيش الدولة هو من أكثر السبل للحصول على جنسيتها لأنه أكثر صنوف الولاء وضوحاً. ومصداقاً لما نقول ما نشرته الجريدة الأميركية اليومية الكرستيان سينس مونيتور (26 ديسمبر 2006) من أن الإدارة الأميركية بصدد فتح المجال أمام الأجانب للالتحاق بقواتها المسلحة في مقابل تسهيل أمر حصولهم على الجنسية الأميركية.

ولا شك أن حل مشكلة عديمي الجنسية أو البدون سيرفع عن كاهل هؤلاء معاناة إنسانية مزمنة، ويجنب مجتمعاتنا آثارها الاجتماعية والسياسية السلبية.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com