كثيرا ما تتكرر في يوميات الحياة العملية صورة رئيس العمل الجديد الذي يتسلم قيادة مؤسسة ما خلفا لمن قبله، فيرفع هذا القادم الجديد المفعم بروح التطوير والتغيير، شعار إصلاح ما أفسده من كان قبله، أو حل المشاكل التي عجز عنها، ثم لا يلبث أن يشن هجومه الإصلاحي بمجموعة من الإجراءات التي توطد له أركان خلافته وتمهد له إدارة شؤون هذه المؤسسة تماما كما يدير خاتمه في إصبعه، ومن هذه الإجراءات التي ألفها الناس حتى بدت وكأنها حق مشروع:

فصل مجموعة من الموظفين المقربين من رئيس العمل السابق، أو بالأصح من يمثلون «حاشية» المسؤول السابق أو تهميشهم بنقلهم إلى وظائف أخرى والإتيان بطاقم جديد من «الموالين» وأهل الثقة، ومن تلك الإجراءات تجميد المشروعات وبرامج العمل والخطط قيد التنفيذ واستبدالها بأخرى.

ومن تلك الإجراءات إلغاء القرارات والتعليمات واللوائح السابقة وإصدار قرارات وتعليمات ولوائح جديدة، وقد تتضمن تلك الإجراءات انتزاع اختصاصات مؤسسات أخرى ولو كانت لا تتسق مع وظائف مؤسسته وأغراضها الأساسية، ولاسيما إذا كان مدعوما بقوة من قيادته العليا، بتعبير آخر أنه إعلان ثورة على كل الموجود (القديم) بتيار جارف من الجديد (المقبل).

هذه الصورة نموذج مثالي لآفة العمل غير المؤسسي التي تستشري في المجتمعات المتخلفة، ونتيجتها المؤسفة أن الجديد فيها لا يبدأ من حيث انتهى الآخرون ولا يتعدى كونه محاولة متواضعة تبدأ من الصفر، وأحيانا يأتي تقليدا في غير موضعه، أو اقتباسا لم يحالفه التوفيق، مما يكلف دورة جديدة من الجهود والأوقات والأموال في سبيل تطوير هذا الذي لا يزال جديدا، وتلبيسه على الوضع القائم بكل السبل.

ثم معالجة آثاره وانعكاساته الجانبية، أما الخسارة الحقيقية التي لا يأخذها الجميع في حساباتهم في غمرة هذا النشاط الدائر في حلقة مفرغة فتتمثل في إلقاء كل الخبرات والتجارب والمعلومات السابقة في سلة القمامة، ثم لا يلبث أن يأتي رئيس عمل آخر ليعيد تدوير نفس الاسطوانة المشروخة، وتعاود الدورة دورانها لتكون محصلة المجتمع بعد عشرات السنين: محلك سر.

من هنا يكتسب العمل المؤسسي أهميته، ويبرز دوره في استفادة المجتمع بأقصى ما يمكن من المعلومات التاريخية المرتجعة والتراكم المعرفي والخبرة المكتسبة من التجارب السابقة والتعامل مع المعطيات أو المدخلات بنفس الآلية ومواجهة جميع المشاكل بمنهجيات موضوعية تحقق المصلحة العامة وليس أفرادا أو فئات بعينها، وهذا ما يجعله يتلافى سلبيات الماضي ويرسم خط سيره المستقبلي ليأتي مستقيما أو نادر الانحرافات، مع كونه تصاعدياً أو مستقراً في أسوأ الأحوال.

يقول د. محمد أكرم العدلوني في كتابه القيم العمل المؤسسي: (إن العمل المؤسسي ذو أهمية بالغة لأنه ينقل العمل: من الفردية إلى الجماعية، ومن العفوية إلى التخطيط، ومن الغموض إلى الوضوح، ومن محدودية الموارد إلى تعددية الموارد، ومن التأثير المحدود إلى التأثير الواسع، ومن الوضع العرفي إلى الشرعية القانونية).

ورغم أهمية الحديث عن المبادئ الفلسفية لبناء المنظومات المؤسسية ومكوناتها وتصوراتها ومفاهيم العمل فيها والرؤى الإستراتيجية للعمل المؤسسي باعتبارها تحديا ينقل المجتمع من المؤخرة إلى المقدمة ومن فئة المتلقين إلى فئة المعطين، إلا أنني سأتعرض لجانبين آخرين على درجة لا يستهان بها من الأهمية بسبب محدودية المساحة المخصصة للكتابة، وهما:

تفعيل العمل المؤسسي

من الظواهر التي يراقبها علماء النفس الاجتماعي لقياس درجة تماسك أي مجتمع من المجتمعات وترابطه، رد الفعل الذي يجده الفرد عندما يذهب إلى أي دائرة أو مؤسسة لينجز معاملة ما، فإذا أُنجزت معاملته دون اللجوء إلى واسطة فهذا يعني أنه يعيش في مجتمع متماسك أو مترابط، أما إذا احتاج إلى واسطة لينجز معاملته فهذا يعني أنه يعيش في مجتمع غير مترابط أو غير متماسك أو أن العلاقات الإنسانية بين أعضائه هشة.

إلا أن هذه الظاهرة تعبر من جهة أخرى عن نمط المجتمع: مؤسسي هو أم لا، فيكون في الحالة الأولى مجتمعا مؤسسيا لأن جميع أعضائه يحصلون على الخدمة (حقوقهم) بنفس الآلية التي يحصلون بها على وجبة سريعة، أي أن تتوافر فيها المواصفات التالية:

ـ الحصول على الخدمة في مدة زمنية محددة تتناسب مع حجم الجهد المبذول في تنفيذها.

ـ الحصول عليها بمجرد قدرة الشخص على استيفاء الشروط المطلوبة.

ـ الحصول عليها في كل مرة بنفس المستوى من الدقة والجودة.

ـ أن تكون الخدمة متاحة بنفس المنوال (الوقت والإجراءات والجودة) لكل من يستوفي شروطها دون تمييز لأحد على الآخر.

ـ إحساس الفرد بأن حصوله على الخدمة (إشباع حاجته) هو تقدير لأهميته، ولأهمية وقته، ولأهمية مشاعره بالرضى والسعادة تلقاء ذلك.

وعليه فإن العمل المؤسسي ليس شعارا براقا، بل يقتضي تفعيله على أرض الواقع من خلال:

ـ صياغة أو رسم هيكل أو خريطة عامة للبناء المؤسسي ومكوناته، كبناء منظومات العمل التربوية والاقتصادية والإعلامية وغيرها، مع تحقيق التكامل المؤسساتي فيما بينها.

ـ استكمال البنية التشريعية حتى يُحتكم إلى القوانين واللوائح وإلى المؤسسات المسؤولة عن تطبيقها، وليس إلى الأمزجة والأهواء.

ـ صياغة منهجيات للعمل والتطوير ومواجهة الأزمات وحل المشاكل بأساليب علمية، وبناء فرق العمل المتخصصة والمقتدرة، حتى لا تدار الدولة بعقلية الشركات والمصالح الفردية الخاصة، فيتصرف فيها المسؤولون بحسب مصالحهم وقناعاتهم الشخصية.

ـ ترسيخ مفهوم أن العمل ـ أي عمل ـ يجب أن يصب في خدمة المجتمع، وإلا فإنه لا يعد مؤسسيا.

ـ الإيمان بأن تجارب المؤسسة ومعلوماتها ومشاريعها وخططها وبرامجها ومنجزاتها وأموالها والوقت الذي يقضى في خدمتها والعلاقات الوظيفية بين موظفيها كلها حق خالص للدولة، ولهذا فإنه لا يحق لأي موظف من رئيس العمل إلى أدنى درجات السلم الوظيفي أن يسيء استخدامها أو أن يهدرها بأن يحول أي تجربة أو معلومات أو تشريعات إلى سلة المهملات.

كما لا يحق لرئيس العمل إحالة الأشخاص إلى دكة الاحتياط أو إلى محرقة التقاعد إرضاء لشهوة التغيير، لاسيما إذا كانت تلك الأشياء والأشخاص بالمقاييس الموضوعية قابلة للاستفادة منها أو أثبتت التجربة والممارسة العملية إيجابيتها، بما في ذلك السلبيات التي واكبت تطبيقها لأهميتها في تقييم جدوى الأفكار الجديدة.

نشر الثقافة المؤسسية

كثيرا ما تنشر وسائل الإعلام أو تذيع خبرا عن مسؤول أصدر قرارا يقضي بكذا وكذا، وصياغة الخبر بهذا النحو إيحاء للقارئ أو المستمع بتقزيم المؤسسة بأجهزتها الفنية والإدارية والاستشارية أمام عملقة المسؤول، وهو أيضا إلغاء لفرق العمل التي بذلت جهودها حتى توصلت إلى وضع هذا القرار أو الخطة أو اللائحة، واختصار كل ذلك في شخص المسؤول.

إن انعدام أو ضعف الثقافة المؤسسية تأخذ مظاهر أخرى من مظاهر افتقار المجتمعات غير المتقدمة إلى هذه الثقافة غير المظهر السابق، منها على سبيل المثال اللجوء إلى الإمكانيات ـ ولاسيما المالية منها- لحل المشاكل أو الأزمات، دون الحاجة للتخطيط والتنظيم واختيار العناصر والمهارات المهنية الممتازة وتوفير البيئة المناسبة. ومن تلك المظاهر كثرة طرق أبواب المسؤولين لحل مشاكلهم.

ولأن (الثقافة المؤسسية أو «ثقافة المؤسسة»، نسق من المعتقدات والقيم والمثل العليا والمبادئ والأخلاق التي يشترك فيها أعضاء المؤسسة أو المنظمة الواحدة ـ د. العدلوني)، فإن انتشار هذه الثقافة عند أفراد المجتمع يكتسب أهميته القصوى وتبدأ آثاره ونتائجه الإيجابية في الظهور عندما يتحول إلى سلوك عملي عند جميع أفراد المجتمع ولو لم يكونوا موظفين، لأنه يصبح في هذه الحالة لغة مشتركة للتفاهم وحدودا فاصلة بين الحقوق والواجبات، ونقلة تاريخية تأخذ المجتمع من المؤخرة إلى الصدارة.

كاتب إماراتي