تتفاقم الازمة في لبنان الشقيق وتحتدم والمسافة بينه وبين الانزلاق الى حرب أهلية تكاد تكون منعدمة ويتساءل اللبنانيون وخصوصا بعد احداث الثلاثاء الاسود 23/1 ، والخميس الدامي 25/1 الى اين يذهب بنا امراء الحرب الجدد في المعارضة الذين تنكروا لوعودهم وتعهداتهم بأن يبقى احتجاجهم واعتصامهم سلميا بل وأطلقوا عليها وصف ''الغاندية'' في محاولة يائسة للالتصاق بمسيرة الزعيم الهندي الكبير المهاتما غاندي صاحب نظرية اللاعنف التي وضعها هو وأنصاره موضع التنفيذ على رغم ما ألحقه بهم الاستعمار البريطاني من اذى وظلم..
والأهم من ذلك كله ان غاندي ومدرسته العظيمة هذه لم يلجأوا لا الى العنف العسكري كذلك لم يقارفوا العنف الكلامي ولهذا نجحت الغاندية في بلادها ورأينا هذا الارث الانساني الخالد الذي حافظ عليه الهنود على اختلاف لغاتهم وقومياتهم واديانهم ودخل غاندي التاريخ من اوسع ابوابه وما يزال نضاله السلمي انموذجا في الكفاح لتحقيق الاهداف الوطنية والقومية للشعوب كافة..
أمام هذه المفارقة تسقط ذرائع حزب الله وحجج امينه العام الشيخ حسن نصرالله على اكثر من صعيد وخصوصا بعد أن انهارت الأسس الاخلاقية والسياسية التي قامت عليها حركة المعارضة الاحتجاجية والتي قامت في الاساس على محاولة شل حكومة الاغلبية البرلمانية التي يرأسها فؤاد السنيورة وكان حزب الله جزءا رئيسا منها بل وإن الحزب كان جزءا من التحالف الرباعي الشهير (مع تيار المستقبل بزعامة سعد الحريري واللقاء الديمقراطي برئاسة وليد جنبلاط) الذي استطاع ان يؤمن تشكيل الحكومة اللبنانية في توافق لم تعهده الحكومات اللبنانية السابقة...
الى ان قرر السيد نصرالله الانقلاب على هذا التحالف والخروج عليه تحت حجج وذرائع تبدو الان مفتعلة ومقصودة وتخفي خلفها جملة من الاهداف التي لم تعد خافية على أحد وخصوصا فيما يتعلق بارتباطها الوثيق بمعادلات وتحالفات واصطفافات اقليمية ما يعني ارتهان لبنان وشعبه لاهداف مغايرة بل ومتعارضة مع مصالحه الوطنية وحق اللبنانيين في الاستقلال والسيادة وعدم تحميلهم تبعات واستحقاقات خلافات الاخرين وحروبهم التي لا تقوم الا على ارض لبنان باعتباره في نظرهم ساحة لتصفية الحسابات او لتحسين شروط التفاوض او لتعظيم الادوار الاقليمية او البحث عن نفوذ في لعبة الامم الدائرة الان في المنطقة والتي تبدو فيها اطراف المحور الذي ينتمي اليه حزب الله واضحة ولا تحتاج الى فراسة او ذكاء لاكتشاف الروابط والاهداف الاستراتيجية التي تجمعهم.
ليس الطريق الى تشكيل حكومة وحدة وطنية يمر عبر وسط بيروت ومركزها التجاري وساحتي رياض الصلح والشهداء ومحاصرة السرايا والاعتصام الذي يعطل الحركة التجارية ويشل وسط اجمل العواصم واكثرها حضورا في التاريخ والحضارة.
وليس الحصول على الثلث المعطل او الثلث الضامن او أي تسمية يراد اطلاقها عليه يكون بشل الحكومة ومنعها من تنفيذ قراراتها ورفض عقد جلسة لمجلس النواب وهو السلطة المنتخبة من الشعب المشرّعة والمراقبة للسلطة التنفيذية (الحكومة) وحيث هو المكان الدستوري الوحيد الذي تحاسب فيه الحكومة ويمكن سحب الثقة منها او منحها اياها.
ليس من منطق او حق يمكن لاحد ان يتسلح به بعيداً عن الممارسة الديمقراطية الحقيقية وهنا لا يمكن لأحد ان يقبل بتغيير قواعد اللعبة في اثناء (اللعب) لكن الحزب وامينه العام الذي شعر ان الارض تهتز من تحته وخصوصا بعد ان افقده القرار 1701 ساحة الجنوب التي بقيت حكرا على قواته طوال اكثر من عقد ونصف وجاء الجيش اللبناني الجيش الشرعي جيش كل اللبنانيين بطوائفهم ومذاهبهم الى الحدود الدولية كذلك قوات اليونيفيل..
فدخل الحزب الى (زواريب) السياسة اللبنانية كي يحقق اكثر من هدف بعد ان انتهت (المهمة) في الجنوب وبعد ان تم تدمير البنى التحتية اللبنانية واعادة لبنان الى عشرين سنة للوراء وبعد ان افرغت جعبة حزب الله من ذخيرتها الاعلامية والتعبوية التي انتهت للاسف على كارثة لحقت بلبنان وشعبه وخصوصا ابناء الجنوب الذين تجري عملية المتاجرة بهم تارة بارواحهم وطورا بممتلكاتهم مساكنهم والمزارع ومرة اخرى بمذهبهم عبر الشحن المذهبي والتخويف بالتهجير والترحيل الى خارج لبنان والتفريغ الديمغرافي.
انقلب حزب الله بقرار من ''السيد'' الى اللعبة الداخلية لان ثمة مهمة جديدة بانتظاره افشال المحكمة الدولية التي تريد معرفة من قتل وخطط ونفذ جريمة اغتيال رئيس الوزراء الاسبق رفيق الحريري والابقاء على لبنان رهينة العدوان الاسرائيلي والمخططات الاقليمية لدولة غير عربية وجدت نفسها بعد التعثر الاميركي في العراق وافغانستان انها الوحيدة الرابحة من كل هذه الحرائق المشتعلة فارادت احياء نزعاتها الامبراطورية وهذيانها الطائفي وكان لبنان جزءا من معادلة اخذت تتبلور وتتشكل على نحو مضطرد تدريجيا حتى بتنا امام مشهد كارثي وجد تجلياته في الصراع المذهبي في العراق والذي تغذيه دول معروفة بل دولة على وجه التخصيص يرتبط حزب الله وقيادته بها ارتباطا وثيقا حتى اننا لم نسمع للحظة واحدة ان هذا الحزب يدير الممارسات والمذابح وعمليات التطهير المذهبي التي تجري ضد السنة وعلى وجه الخصوص في بغداد التي يخطط لها ان تكون عاصمة الاقليم الشيعي في استهتار غير مسبوق بدروس التاريخ وعبره...
اكمل حزب الله المشهد في اليومين الرهيبين الثلاثاء 23/1 والخميس 25/1 واوصلوا لبنان الى حيث ارادوا حافة الحرب الاهلية التي يعلم الجميع ان مسألة الانزلاق اليها لا تحتاج الا لجهد قليل وربما خطبة عصماء كتلك الخطابات التي يتحفنا بها السيد نصر الله بين حين واخر بل هو راح يطلع على الناس في شكل شبه يومي.
لم تفت الفرصة بعد على اخراج لبنان من المخطط الاقليمي الجهنمي الذي تم زجه فيه تحت عناوين وشعارات ومطالب وهمية تخفي حقيقة ما يراد منها اختطاف لبنان من اجل تحقيقه. والتاريخ لن يغفر لاولئك الذين ما يزالون يضللون الناس ويوهمونهم بانهم فداء للبنان وشعبه ولكنهم يذبحونه كل يوم ويرتهنونه للفوضى والمجهول ويعيدون اليه الحرب الاهلية التي لم يبرأ منها بعد ولم يتحلل من اكلافها وتداعياتها.
فهل يصغي حزب الله وامينه العام للصوت الحق ومصلحة الشعب الذي ارهقته الحروب والمغامرات؟