لا أحد يشك في العالم كله أن الارهاب ظاهرة مدمرة لاستقرار الشعوب ومعوق خطير لمسيرتها التنموية ، فضلا عن الأرواح البريئة التي تزهق خلال عمليات مواجهة هذه الآفة الخطيرة ، لكن أسلوب تعامل الدول مع هذه الظاهرة هو الذي يميز بين العقلاء الواعين بمصائر شعوبهم العاملين من أجل حماية مجتمعهم من الآفات الضارة ، وبين أولئك الذين يصنعون من ظاهرة الارهاب (حصان طروادة) ليختبئوا داخله من أجل تنفيذ برامج عدائية تضر مصالح الشعوب وتعرض مناخ السلام الدولي والإقليمي للخطر ، حتى أصبح برنامج مكافحة الارهاب الدولي مساحة حافلة بأشكال الترهيب الدولي . وتشكل اجتماعات وزراء الداخلية العرب المنتظمة في تونس شكلا من اشكال المعالجة الموضوعية لظاهرة الارهاب ، خاصة وأن المعالجة العربية تنهض على أساس بحث العوامل المسببة للارهاب والظواهر التي تشكل بيئة ملائمة لانتعاش السلوكيات المخربة والاجرامية وما اصطلح عليه مؤخرا بـ (الارهاب الدولي) .
ويأتى اجتماع مجلس وزراء الداخلية العرب في تونس هذا العام في خضم العديد من التحديات التي تواجه المصالح العربية وتهدد الأمن الداخلي في عدة دول عربية مما يجعل دول الجوار أيضا عرضة لمخاطر الانشطة الارهابية باعتبار ان الجريمة المنظمة تبحث عن نقطة ارتكاز في بيئة ذات أوضاع أمنية هشة تنتعش خلالها لتنطلق بشرورها إلى دول مجاورة آمنة ، إلى أن سرت تكهنات بأن هناك مخططات لاجهاض السلام الاجتماعي في دول بعينها سعيا وراء أهداف سياسية معينة أو إعادة ترتيب مناطق على رأسها الشرق الأوسط لتصب في مصالح دول من خارج المنطقة .
إن الاوضاع في العراق والصومال والسودان والى حد ما في لبنان هي أوضاع مثيرة للقلق العميق مما استدعى اعادة النظر في الثغرات التى قد تكون مسربا لانشطة ارهابية كالهجرة غير المشروعة وعمليات تبييض الأموال والاتجار في البشر والمخدرات الى غير ذلك من انشطة قد تبدو في ظاهرها تقليدية بالنظر الى كونها ممارسات سلبية قديمة يدركها خبراء أجهزة الأمن جيدا لكنها صارت توفر بيئات للتمويه على جرائم أخطر من ذلك بكثير لذلك فإن جدول أعمال مؤتمر مجلس وزراء الداخلية العرب في تونس التي افتتحت امس تبدو مثقلة بالقضايا المهمة والبنود الخطيرة ،
وقد دعا الرئيس التونسي زين العابدين بن علي في افتتاح اعمال الدورة الحالية الى عقد مؤتمر دولي تحت رعاية الأمم المتحدة من أجل اعتماد مدونة سلوك دولية لمكافحة الارهاب تلتزم بها كل الاطراف ، فآفة الارهاب تبدو في محتواها كالتلوث البيئي لا تعرف حدودا ولا تقف عند مناطق بعينها بل هي تنتشر انتشار النار في الهشيم وهذا ما يدعونا الى القلق من محاولات قوى دولية توظيف المخاوف من انتشار الارهاب في محاولات للضغط على دول او شعوب لتمرير قضايا تتنافى مع الخطوات المتعقلة لمحاربة الارهاب العالمي واوضح دليل على هذا الخلط ما تسعى اليه اسرائيل والولايات المتحدة من محاولات لمصادرة حقوق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في مقاومة ذلك الاحتلال بل وتجنيد المنظمات الدولية والاقليمية للعمل في هذا الاتجاه الذي يضر بمسيرة الحرب العالمية على الارهاب .
إن أهم أدوار وزراء الداخلية العرب من خلال اجتماعهم في تونس ان يعملوا ضمن المعلن من القرار السياسي العربي الذي يميز بوضوح بين المقاومة المشروعة وبين الانشطة الارهابية فمنطقة الشرق الأوسط أحوج مناطق العالم لهذا التمييز حماية لمصالحنا القومية وسيادة الشعوب العربية على أراضيها .