إن الأقليات المتنازعة هي تعدديات غير مؤتلفة أو مندمجة مع نفسها ومع الجسم المجتمعي الأكبر. هي الإثنية التي طبعت الحياة الاجتماعية العربية عبر التاريخ دينية طائفية وعرقية عنصرية. تختفي نزاعاتها عندما تكون تحت سلطة مركزية قوية، أو نظام ديمقراطي حقيقي، فالسلطة المركزية رادعة تفرض التعايش، والديمقراطية الحقيقية لم تبدأ بعد، وفي ظل غياب هذين العاملين يستمر نزاع الأقليات وهذا هو حال الأمة في عدد من أقطارها.

أما ما هي الأقليات في عالمنا العربي؟ فهي عديدة مثل: الأكراد والزنوج والبربر والأرمن ودينياً وطائفياً: اليهود والمسيحيون والشيعة والآشوريون والزيديون والدروز. أما بلدانها فهي في معظم الدول العربية وأكثرها حدة في العراق ولبنان والسودان.

ويعود الانقسام السوسيولوجي للتكوين المجتمعي التاريخي لكل بلد يعيش هذه الإثنية ونزاعاتها إلى عدم قدرة ذلك المجتمع على صهر مكوناته واندماجها، وقد حدث ذلك في فترات قصيرة في بعض دولنا عندما حققت تلك الدول قدراً من التقدم الحضاري واختفت عندما قامت في بعض الدول سلطات مركزية قوية.

إن الكثيرين يتجنبون الخوض في هذا الموضوع لحساسيته القومية والدينية والاجتماعية بيد ان الخطأ أن نضع رؤوسنا في الرمال حتى لا نرى الحقيقة فوقها. إن هذا النوع من النزاعات قد تطور إلى صراع، ويهدد أوطاننا في زماننا. إن لكل بلد يعيش تلك الظاهرة ظروفه.

وأسباب نزاعاته لكنه هم مشترك مهما حاولنا الابتعاد. إن معالجة هذه المسألة تجعلنا نتعرف على أمرين: الأول: أسبابها، والثاني: كيفية معالجة هذه الظاهرة سلمياً، أيضاً لابد أن نتوقف عند سؤال مفاده: هل كل الصراعات والحروب الأهلية العربية تعود إلى اختلاف مكونات هذه الدول الإثنية أم أن هناك أسباباً أيديولوجية وسياسية أيضاً؟

وما هو تفسير النزاع بين أجنحة الفئة الواحدة أو الملة الواحدة أو القومية الواحدة؟! فإذا كان هناك نزاع بين المارونيين والمسلمين في لبنان فلدينا اليوم نزاع بين فتح وحماس في فلسطين! وهناك صور أخرى، وعليه تحتاج المعالجة عدم إهمال الدوافع والأسباب السياسية والأيديولوجية سواء كانت داخلية أو خارجية وحصر الموضوع في بعد واحد طائفياً أو عرقياً.

فأصحاب نظرية المؤامرة يعتقدون وهم محقون في بعض الوقائع التاريخية أن العامل الخارجي كان وراء كثير من نزاعاتنا الإثنية فالاستعمار والصهيونية غذّتا كثيراً من تلك النزاعات، ألم يناصر الاستعمار الفرنسي المارونيين والاستعمار الانجليزي الدروز في الحرب اللبنانية الأولى عام 1860؟ وألم تضع إسرائيل خطة تفتيت عدد من الدول العربية على أساس عرقي وطائفي في الثمانينات من القرن العشرين وتحلم بشرق أوسط جديد على ذلك الأساس؟

أسباب النزاعات والصراعات الاثنية العربية

ـ إن كياناتنا العربية قامت على أساس عُصْبي طائفي أو قبلي عشائري، ولم تقم على أساس سياسي حتى لو كان مظهرها كذلك.

ـ ان النخب التي استلمت السلطة في معظم الدول العربية بعد الاستقلال والتي كانت تشكو من الإثنية وتأثيرها كانت قمعية وقهرية همشت واضطهدت الأقليات.

ـ كان على الدولة العربية الحديثة ان تلعب دوراً رئيسياً في صهر التكوينات الاجتماعية المختلفة ثقافياً في شخصية وطنية موحدة لا أن تكون طرفا في النزاعات الاثنية.

ـ لقد أتاح غياب الديمقراطية نهجاً وتطبيقاً في دولنا العربية الفرصة لصراع الأقليات بدل تحالفها واندماجها، وقد حدث استثمار سياسي للأقليات ولعل دراسة التاريخ الاجتماعي المعاصر لعدد من الدول العربية في المغرب العربي ولبنان والعراق تؤكد ذلك.

ـ لقد شهدت مؤسسات المجتمع المدني ولا تزال ضعفاً شديداً في الوقت الذي كان يراهن المجتمع على تأثيرها كقوة موازية لمؤسسات الدولة، حيث يفترض ان تكون مجالاً تنصهر فيه الفئات الاجتماعية على اختلافها، لتصبح قوة شعبية ضاغطة لتحقيق المزيد من المكاسب، والدفع باتجاه الحريات والديمقراطية.

ـ نعيش أزمة ثقافية تكرس الاختلاف، والانفصال عوضاً عن الائتلاف والاتصال.

ـ تجري عملية تدويل بعض النزاعات الأهلية العربية في الوقت الذي ينبغي أن نتولى أمورنا بأنفسنا مثل: المسألة الكردية، والمسألة اللبنانية، والنزاع في جنوب السودان وغربه إلخ..

ـ نشاط إسرائيلي لتفتيت الدول العربية على أساس عرقي وطائفي.

ـ خطة (الشرق الأوسط الجديد) الأميركية لتفتيت الدول العربية على أساس عرقي، وطائفي، نحن أمام مرحلة سايكس بيكو جديدة تلك على أساس جغرافي وهذه عرقية طائفية وهي الأخطر.

ـ هناك دور لدول الجوار الجغرافي في تغذية العصبيات من خلال الأقليات التابعة لها تاريخياً على سبيل المثال: اثيوبيا والسودان، السنغال وموريتانيا، تركيا وكل من العراق وسوريا، وإيران والعراق ومنطقة الخليج العربي، وإسرائيل واليهود العرب.

ـ إن معظم الأحزاب السياسية العربية طائفية وعرقية وطبقية متعارضة ومتقاطعة أيديولوجياً وسياسياً.

هذه أسباب وإشكاليات تكونت عبر زمن طويل وهي تراكمية، ومواجهتها ليست بالأمر السهل. ونطرح هنا أفكاراً قد تساعد في معالجة هذه الإشكالات الصعبة.

ـ لابد أولاً من احترام حقوق الأقليات، وعدم تهميشها في المجتمع.

ـ لقد أثبتت التجارب أن التطبيق الديمقراطي أحد العلاجات الناجحة للمجتمعات التي تعاني من النزاعات الأهلية والإثنية والهند أفضل مثال على ذلك.

ـ النهج الديمقراطي يوفر الحرية والاعتراف بالتعددية سياسياً واجتماعياً في إطار العدالة الاجتماعية والمساواة أمام القانون.

ـ اذا كانت إسرائيل وغيرها يسعون إلى تفتيت العرب على أساس عرقي وطائفي علينا ان نتجه إلى التوحيد لمكونات شعوبنا.

ـ رفض تداويل نزاعاتنا، والمبادرة إلى حلها ضمن المشروع الوطني وذلك ببناء صيغة تآلف وتعايش مشترك بتقديم الانتماء للوطن على كل الانتماءات الأخرى القبلية والطائفية.

ـ ولعل وجود الدولة المركزية القوية العادلة القادرة على تحقيق ذلك المشروع الوطني سلمياً هي أحد الحلول الأساسية.

ـ تجنب كل ما من شأنه إثارة التنازع الإثني الأهلي في مجتمعاتنا. وعلى المثقفين والباحثين ان يهتموا بمسألة النزاعات الإثنية في عالمنا العربي وألا يهربوا من بحثها ومعالجتها بحجة حساسيتها. هذه المقالة ليست دراسة لهذه الإشكالية التي تثار اليوم في عدد من أقطارنا العربية لكنها رسالة إلى من يهمه أمر هذه الأمة من مثقفين ومختصين وصاحب القرار لبحث هذه القضية ووضعها ضمن أولوياتها الاهتمام والمعالجة.

كاتب كويتي