يعيش الوضع اللبناني حالة شبه منتظمة من التوتر والتنفيس من التسخين والتبريد. احتقاناته تتفجر بصورة متقطعة. وهكذا هو حال وَصْلات التهدئة. تفلت فيه الأمور وبما يوحي بأنها سائرة نحو الهاوية. لكن سرعان ما تنكفئ وتنضبط وتعود عن الحافة إلى مربّع الهدوء، ولو الحذر والهش. تتكثف التحركات والمساعي وتطل بوادر مخرج؛ تلوح احتمالات رجحان كفته. لكن أيضاً سرعان ما تتوارى وتتراجع علامات الانفراج.
الايجابي في هذا التعاقب ان الوضع لايزال تحت السيطرة وان الأطراف اللبنانية لاتزال تتهيّب اللحظة وعواقب الاندفاع في المواقف إلى أبعد مما تحتمله الساحة لكثرة ما تختزنه من هشاشة واعطاب. وفي ذلك نوع من صمام الأمان وإفساح في المجال للمزيد من المحاولات والتشاور؛ لإخراج البلد من أزمته الخانقة.
وربما يوفر ذلك المزيد من شراء الوقت، علّ التطورات والمستجدات المحلية والإقليمية تأتي بمعطيات وعوامل جديدة تحفز على التوافق والخروج من النفق.في المقابل ثمة جانب سلبي لهذا الانتقال المتوالي بين الصعود والهبوط؛ بين الساخن والبارد، فمثل هذا الدوران طالت رحلته وتحوّل أو كاد إلى تكرار محبط وإلى لعبة محفوفة بالمجازفة الكبيرة والخطيرة.
المراوحة التي حكمت الوضع مفتوحة على التدهور بقدر ـ أو أكثر ـ ما هي مفتوحة على لجم الأزمة ووضعها على طريق الخلاص، بل ان كفة الأول تصبح راجحة أكثر، كلما شطح بقاء الأمور على هذه الحال.في الأيام الأخيرة، شاعت التوقعات والترجيحات بأن المناخات بدأت تتحسن وبأن حسابات ومراجعات متعلقة بالأزمة، قد تنعكس ايجابياً عليها.
وظهرت علامات ومؤشرات مختلفة تدعم وتعزز مثل هذا الانطباع. دخول اتصالات نوعية على الخط ساعد وأدّى، أو هو في طريقه ليؤدي، إلى توسيع مساحة الحركة أمام الوساطات، التي سبق وتعثرت بسبب غياب مثل هذه الأدوار والاعتبارات.
ساد، على الاثر، جوّ من الارتياح والأمل. لكن للأسف عادت الغيوم تتلبد في الأفق. رافقها حديث عن أن التفاؤل كان مبالغاً فيه. ومن جديد تندلع حروب التراشق، بالاتهامات. ومعها تعود لغة التشدد إلى الساحة. كأنها عود على بدء. مع ما يواكب ذلك من انحسار لأجواء الحلحلة، لتسود بدلاً منها مناخات التوتر والخوف من المجهول. خاصة عندما تُستأنف عمليات الحقن والشحن؛ المعروفة إلى أين تقود وتنتهي.
دورة الأزمة اللبنانية تشبه دوامة (رجعت حليمة إلى عادتها القديمة)، حتى الآن البلد ينتقل بين الانضباط والتأزيم؛ بشيء من التوازن لكنه وضع يحيق به خطران: انسداد داخلي لحل سياسي؛ ثم ان ازمته تسير على ايقاع ازمة المنطقة، المتعددة الجبهات. الأطراف اللبنانية غير قادرة على التأثير بظروف المنطقة.
ولا هي مطالبة بذلك لأن هذه الظروف اكبر من بلد لوحده إذا كان بعافيته فكيف اذا كان على ما هو لبنان فيه؟ يبقى الخطر الأول، الذي كانت ولاتزال مفاتيح مواجهته بين اللبنانيين اصلاً، اذا ارادوا . وهي اذا كبيرة. وهنا التحدي الذي يواجههم والذي على اساسه سوف يحاكمهم التاريخ.